التواب الرحيم، ذو الفضل العظيم، الواسع العليم، العزيز الحكيم، ابتلى إبراهيم بكلمات، وسمع نداء يونس في الظلمات، واستجاب لزكريا فوهبه على الكبر يحي هاديًا مهديا، وحنانًا من لدنه وكان تقيًا، أزال الكَرب عن أيوبوألان الحديد لداود، وسخر الريح لسليمان، وفلق البحر لموسى، ورُفع إليه عيسى وشق القمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، ونجى هودًا وأهلك قومه، ونجى صالحًا من الظالمين، فأصبح قومه في دارهم جاثمين، وجعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وفدى إسماعيل بذبح عظيم، وجعل عيسى وأمه آية للعالمين، ونجى لوطًا وأرسل على قومه حجارة من سجيل منضود، ونجى شعيبًا برحمته، وأهلك أهل مدين بعدله (( أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) )هود:95
مع الله
جل جلاله الذي، أغرق فرعون وقومه، ونجّاه ببدنه ليكون لمن خلفه آية وخسف بقارون وبداره الأرض (( وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالاْمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) )القصص:82
ونجّا يوسف من غياهب الجب، وجعله على خزائن الأرض.
مع الله
الذي ضحك وأبكى، وأمات وأحيا، وأسعد وأشقى، وأوجد وأبلى، ورفع وخفض، وأعز وأذل، وأعطى ومنع، ورفع ووضع.
هدى نوحًا وأضل ابنه، واختار إبراهيم وأبعد أباه، وأنقذ لوطًا وأهلك امرأته ولعن فرعون وهدى زوجته، واصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ومقت عمه وجعل من أنصار دعوته أبناء ألد خصومه كخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، فسبحانه عدد خلقه، وسبحانه رضا نفسه، وسبحانه زنة عرشه، وسبحانه مداد كلماته.
مع الله جل جلاله
الذي أرغم أنوف الطغاة، وخفض رؤوس الظلمة، ومزق شمل الجبابرةودمّر سد مأرب بفأرة، وأهلك النمرود ببعوضة، وهزم أبرهة بطير أبابيل، عذب امرأة في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، وغفر لامرأة بغيّ لأنها سقت كلبًا كاد يموت من العطش.
قال ابن الجوزي رحمه الله:"نظر بعين الاختيار إلى آدم، فحظي بسجود ملائكته، وإلى ابنه، فأقامه في منزلته، وإلى نوح، فنجاه من الغرق بسفينته وإلى إبراهيم، فكساه حلّة خلّته، وإلى إسماعيل، فأعان الخليل في بناء كعبته وافتداه بذبح عظيم من ضجعته، وإلى لوط، فنجّاه وأهله من عشيرته، وإلى شعيب، فأعطاه الفصاحة في خطبته، وإلى يوسف، فأراه البرهان في همّته وإلى موسى، فخطر في ثوب مكالمته، وإلى داود فألان الحديد له على حدته وإلى سليمان، فسخّر له الريح يتنقل بها في مملكته، وإلى أيوب، فيا طوبى لركضته، وإلى يونس، فسمع نداءه في ظلمته، وإلى زكريا، فقرن سؤاله ببشارته، وإلى عيسى، فكم أقام ميتًا من حفرته، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم، فخصه ليلة المعراج بالقرب من حضرته والوصول إلى سدرته."
وأعرض عن إبليس، فخَزَي ببعده ولعنته، وعن قابيل، فقلب قلبه إلى معصيته، وعن نمرود، فقال: أنا أحيي الموتى ببلاهته، وعن فرعون، فادعى الربوبية على جرأته، وعن قارون، فخرج على قومه في زينته، وعن أبي جهل، فشقي مع سعادة أمه وابنه وابنته، هكذا جرى تقديره ولا اعتراض على قسمته (( وَيُسَبّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلْائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ) )الرعد:13"انتهى."
عباد الله
مع الله
الذي من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة، فالباب مفتوح ولكن من يلج؟ والمجال مفسوح ولكن من يُقبل؟ والحبل ممدود ولكن من يتشبث به؟ والخير مبذول ولكن من يتعرض له؟ فأين الباحثون عن الأرباح؟ وأين خطّاب الملاح؟ أين عشّاق العرائس؟ وطلاّب النفائس؟!
من أقبل إليه، تلقاه من بعيد، ومن أعرض عنه، ناداه من قريب، ومن ترك من أجله أعطاه فوق المزيد، ومن أراد رضاه، أراد ما يريد، ومن تصرف بحوله وقوته، ألان له الحديد، أهل ذكره هم أهل مجالسته، وأهل شكره هم أهل زيادته، وأهل طاعته هم أهل كرامته، وأهل معصيته لا يقنطهم من رحمته إن تابوا إليه فهو حبيبهم، وإن لم يتوبوا فهو رحيم بهم، يبتليهم بالمصائب ليطهرهم من المعايب، الحسنة عنده بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والسيئة عنده بواحدة، فإن ندم عليها واستغفر غفرها له، يشكر اليسير من العمل، ويغفر الكثير من الزلل.
يا نفس توبي فإن الموت قد حانا ...
... واعصي الهوى فالهوى ما زال فتّانا
أما ترين المنايا كيف تلقطنا ...
... لقطًا وتُلحق أُخرانا بأولانا
في كل يوم لنا ميت نشيعه
... نرى بمصرعه آثار موتانا
يا نفس ما لي وللأموال أتركها ...
... خلفي وأخرج من دنياي عريانا
ما بالنا نتعامى عن مصائرنا ...
... ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا
أين الملوك وأبناء الملوك ومن
... كانت تخرّ له الأذقان إذعانا
صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا
... مستبدلين من الأوطان أوطانا