الصفحة 214 من 733

قال بعض السلف: إني لأستحي من الله أن أسأله الدنيا وهو مالكها، فكيف أسأل من لا يملكها؟! وكان بعض السلف يتواصون في طلب الحوائج إلا من الله، قال طاووس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق دونك بابه وجعل دونك حجابه ، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك.

الله يغضب ان تركت سؤاله وبني ادم ان تسله يغضب

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه واشهد ان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الداعي إلى رضوانه وعلى اله وصحبه وجميع أخوانه

وبعد

عباد الله

حين دخل عبدُ الله ابن علي ذلكم الحاكمُ العباسيُ دمشقَ في يوم واحد فقط من الأيام يقتلُ فيها ثمانيةً وثلاثين آلفَ مسلم.

ثم يُدخلُ الخيولَ مسجدَ بني أميةَ، ثم يتبجحُ ويقول:

من ينكرُ علي في ما أفعل؟

قالوا لا نعلمُ أحدًا غير الإمامُ الأوزاعي.

فيرسل من يستدعيه، فعلمَ أنه الامتحان وعلم أنه الابتلاء، وعلم أنه إما أن ينجحَ ونجاحٌ ما بعدَه رسوب، وإما أن يرسبَ ورسوبٌ ما بعده نجاح، فماذا كان من هذا الرجل ؟

قام واغتسلَ وتحنطَ وتكفن ولبس ثيابه من على كفنه، ثم أخذَ عصاه في يده، ثم اتجه إلى من حفظه في وقت الرخاء فقال: يا ذا العزةِ التي لا تضام، والركنَ الذي لا يرام.

يا من لا يهزمُ جندُه ولا يغلبُ أوليائهُ أنتَ حسبي ومن كنتَ حسبَه فقد كفيتَه، حسبي اللهُ ونعم الوكيل.

ثم ينطلقَ وقد اتصلَ بالله سبحانه وتعالى انطلاقة الأسد إلى ذلك الحاكم.

ذاك قد صفَ وزرائَه وصف سماطين من الجلود يريد أن يقتله وأن يرهبه بها.

قال فدخلت وإذ السيوف مصلته، وإذ السماط معد، وإذا الأمور غير ما كنت أتوقع.

قال فدخلت ووالله ما تصورت في تلك اللحظة إلا عرش الرحمن بارزا والمنادي ينادي:

فريق في الجنة وفريق في السعير.

فوالله ما رأيته أمامي إلا كالذباب، والله ما دخلت بلاطه حتى بعت نفسي من الله جل وعلا.

قال فأنعقدَ جبينُ هذا الرجل من الغضب ثم قال له أأنتَ الأوزاعي ؟

قال يقولُ الناسُ أني الأوزاعي.

قال ما ترى في هذه الدماء التي سفكناها ؟

قال حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن جَدُك أبن عباس وعن ابن مسعود وعن أنس وعن أي هريرة وعن عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:

( لا يحلُ دمُ امرأ مسلمٍ إلا بأحدِ ثلاث، الثيبُ الزاني، والنفسُ بالنفسِ، والتاركُ لدينه المفارقُ للجماعة) .

قال فتلمظَ كما تتلمظُ الحيةَ وقام الناس يتحفزون ويرفعون ثيابهم لألا يصيبَهم دمي، ورفعتُ عمامتي ليقعُ السيفُ على رقبتي مباشرة.

وإذ به يقول وما ترى في هذه الدور التي اغتصبنا والأموالِ التي أخذنا ؟

قال سوفَ يجردُك اللهُ عريانًا كما خلقَك ثم يسأُلك عن الصغيرِ والكبيرِ والنقيرِ والقطميرِ، فإن كانت حلالًا فحساب، وإن كانت حرامًا فعقاب.

قال فأنعقدَ جبينُه مرة أخرى من الغضبِ وقام الوزراء يرفعون ثيابهم وقمت لأرفع عمامتي ليقع السيف على رقبتي مباشرة.

قال وإذ به تنتفخ أوداجه ثم يقول أخرج.

قال فخرجت فوالله ما زادني ربي إلا عزا.

ذهب وما كان منه إلا أن سار بطريقه حتى لقيَ الله جل وعلا بحفظه سبحانه وتعالى.

ثم جاء هذا الحاكم ومر على قبره بعد أن توفي ووقف عليه وقال:

والله ما كنتُ أخافُ أحدًا على وجهِ الأرضِ كخوفي هذا المدفونُ في هذا القبر.واللهِ إني كنتُ إذا رأيتُه رأيتُ الأسدَ بارز.

اعتصمَ بالله وحفظَ اللهَ في الرخاء فحفظَه اللهُ في الشدة:

( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)

اللهم أصالح فساد قلوبنا يا رب العالمين .

عباد الله: ما ضاعت أمة الإسلام اليوم إلا يوم ضيعنا أوامر الله ولم تحكم شرع الله .

ما ضاعت أمة الإسلام اليوم إلا يوم استنصرنا بالشرق والغرب ونسينا القوي العزيز .

ما ضاعت أمة الإسلام اليوم إلا يوم خاف المسلم أن يقول للظالم يا ظالم .

لو حفظنا الله حق الحفظ بطاعته واتباع وأمره وتحكيم شرعه لما تسلط علينا من ذلوا ومن هانا .

سلفنا الصالح حفظوا الله واعتزوا به فأعزهم العزيز .

وما اغتروا بدنيا زائلة وصدق الله القائل:

(( من كان يريد العزة فالله العزة جميعا ) )

قال أحد السلف:

لما أطعنا لن سخرت منا حتى الوحوش في البراري ولما عصينا الله سلط الله علينا حتى الفئان في جحورها .

خرج عقبة بن نافع قائدا للمسلمين ليفتح ثمان أوويفيا فلما وصل إلى هناك دخل غاية أفريقيا الموحشة وإذا بالسود في طريقة والحياة والعقارب .

فقام وصل ركعتين وخرج وصعد على صخرة وسط الغابة .

وقال أيتها الأسود أيتها السباع أيتها الحيات أيتها العقارب نحن اصحاب محمد صلى الله عليه وسلم جئنا لنفتح الدنيا بلا إله إلا الله فارحلوا إنا نازلون ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت