فهرس الكتاب
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد رسول الله البشير النذير والسراج المنير وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واستن بسنتة إلى يوم البعث والنشور.
أما بعد:
عباد الله اتقوا الله وراقبوه
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) )آل
عمران102
(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) )النساء1
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) )الحشر18
عباد الله
في هذه الدقائق الغالية سنقف واياكم مع الصبر والصابرين
فإن الله جعل الصبر جوادًا لا يكبو، وصارمًا لا ينبو، وجندًا لا يُهزم، وحصنًا حصينًا لا يُهدم،وهو مطيّة لا يضل راكبها فهو والنصر أخوان شقيقان،فالنصر مع الصبر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدّة ولا عدد، ومحله من الظفر محل الرأس من الجسد، وهو سبيل النجاح والفلاح، وهو فضيلة يحتاج إليه الإنسان في دينه ودنياه
الصبر عباد الله هو حبس النفس عن الجزع واللسان عن الشكوى والجوارح عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما
الصبر عباد الله هو خاق من أخلاق النفس به تسكن النفس عند البلاء والمصيبة
الصبر عباد الله لازم إلى الممات، فالحياة لا تستقيم إلا بالصبر، فهو دواء المشكلات لدار الابتلاء، والصبر زاد المجاهد إذا أبطأ عنه الصبر، وزاد الداعية إذا أبطأ عنه الناس بالإجابة، وزاد العالم في زمن غربة العلم، بل هو زاد الكبير والصغير ، والرجل والمرأة ، فبالصبر يعتصمون وإليه يلجئون وبه ينطلقون.
قال الإمام أحمد - رحمه الله - في كتاب الزهد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
(( وجدنا خير عيشنا بالصبر ) )،
إن الله وصف الصابرين بأوصاف وخصّهم بخصائص لم تكن لغيرهم،وذكر الصبر في نحو تسعين موضعًا من الكتاب الكريم، وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له.
يكفي الصابرين شرفًاأنهم في معيّة الله ، فظفروا بها بخير الدنيا والآخرة، وفازوا بها بنعمة الله الظاهرة والباطنة ، قال تعالى
(( إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) )البقرة153
وجعل الله سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين فقال تعالى: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) )السجدة24
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( بالصبر واليقين ؛ تُنال الإمامة في الدين)
هذا الصبر علّق القرآن الفلاح عليه فقال الله سبحانه وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) )آل عمران200
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه اصبروا على طاعة ربكم, وعلى ما ينزل بكم من ضر وبلاء, وصابروا أعداءكم حتى لا يكونوا أشد صبرًا منكم, وأقيموا على جهاد عدوي وعدوكم, وخافوا الله في جميع أحوالكم; رجاء أن تفوزوا برضاه في الدنيا والآخرة.
وإذا كانت الأعمال لها أجر معلوم محدود فإن الصبر أجره لا حد له ،
قال تعالى: (( ِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) )الزمر10
قال سليمان بن القاسم:كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر لأجل هذه الآية (( ِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ) )الزمر10 قال: كالماء المنهمر،
وجعل الله للصابرين أمورًا ثلاثة لم يجعلها لغيرهم، كل منها خيرٌ مما عليه أهل الدنيا يتحاسدون وهي الصلاة منه والرحمة والهداية (( وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) )
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر ) )
وجعل الصبر سبحانه وتعالى عونًا وعدة وأمر بالاستعانة به، فقال )(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (( البقرة153 فمن لا صبر له؛ لا عون له،
يا أيها المؤمنون اطلبوا العون من الله في كل أموركم: بالصبر على النوائب والمصائب, وترك المعاصي والذنوب, والصبر على الطاعات والقربات, والصلاة التي تطمئن بها النفس, وتنهى عن الفحشاء والمنكر
وعلّق النصر على الصبر والتقوى فقال تعالى: (( بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) )آل عمران125
وقال صلى الله عليه وسلم: (( واعلم أن النصر مع الصبر ) )رواه الترمذي