فهرس الكتاب
نعم, يا عباد الله, إنها فاتحة الكتاب وأم القرآن وأم الكتاب والقرآن العظيم، لأن معاني القرآن ترجع إلى ما تضمنته هذه السورة العظيمة، إنها شفاء من كل سم, كما أخبر الصادق المصدوق محمد صلى الله عليه وسلم.
ففي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عندما أصيب سيد حي من أحياء العرب بلدغة عقرب فقرأ أبو سعيد الخدري رضي الله عنه الفاتحة عليه برأ بإذن الله قال: كأنما نشط من عقال.
يقول أحد علماء الإسلام وهو ابن القيم رحمه الله:"ومكثت بمكة مدة يعتريني أدواء لا أجد لها طبيبًا ولا دواء فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرًا عجيبًا وكنت أصف ذلك لمن يشتكي ألمًا فكان كثير منهم يبرأ سريعًا".
هذه السورة المباركة
اشتملت على إصلاحِ النّفس وإصلاحِ المجتمع، وأرست أسُسَ الأمن والاستقرار والسعادةِ في الأرض، هي خيرُ ما أنزِل، فعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أنه قال له الرّسول: (( لأعلِّمنَّك سورةً ما أنزِلَ في التوراة ولا في الإنجيلِ ولا في الفرقان سورة كانت خيرًا منها ) )، قال: (( فاتحةُ الكتاب هي السبعُ المثاني والقرآن الذي أوتيتُه ) )صحيح سنن الترمذي (2499) .
هي أحَدُ النّورَين، فعن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: بينَما جبريلُ قاعدٌ عند النبيِّ سمِع نقيضًا من فوقِه، فرفع رأسه فقال: هذا بابٌ من السماءِ فتِح اليومَ، لم يفتَح قطّ إلا اليوم، فنزل منه ملك فقال: هذا مَلكٌ نزل إلى الأرضِ لم ينزِل قطّ إلاّ اليوم، فسلَّم وقال: أبشِر بنورَين أوتيتَهما لم يؤتاهما نبيٌّ قبلَك: فاتحةُ الكتاب وخواتيمُ سورة البقرة، لن تَقرَأَ بحرفٍ منهما إلا أُعطيتَه. رواه مسلم.
معاشر المسلمين المؤمنين الموحدين, سورة الفاتحة يحفظها الجميع صغارًا وكبارًا رجالًا ونساءً، ونكررها في اليوم والليلة مرات ومرات، ولكن أين من تأمل معانيها؟ وأين من يتدبر مراميها؟ أين من يعيش قضاياها العظيمة؟!
أين من يستحضر هذه المناجاة بين العبد وبين ربه وخالقه ومولاه، حين يقول العبد: (( الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ) )يقول الله: حمدني عبدي, وحين يقول العبد: (( الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ ) )يقول الله: أثنى علي عبدي, وحين يقول العبد: (( مَالِكِ يَوْمِ الدّينِ ) )يقول الله: مجدني عبدي, وحين يقول العبد: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) )يقول الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: (( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالّينَ ) )قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل.
فلنعش إخوة الإسلام مع قضايا هذه السورة العظيمة ومع آياتها السبع، أسأل الله أن ينفعنا ويرفعنا بهذا القرآن، وأن يجعله شافعًا لنا وحجة لنا لا علينا، وأن يجعله قائدنا ودليلنا إلى جناته جنات النعيم.
(( بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ ) )الفاتحة:1,
أبدأ باسم الله وأتبرك باسم الله، ولفظ الجلالة (الله) قيل إنه هو الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب.
(( الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ ) )اسمان من أسماء الله الحسنى، فأما الرحمن فهو عام لجميع المخلوقات يشمل كل الخلق, الإنس والجن والبهائم والدواب, المؤمن والكافر, والبر والفاجر، كما قال سبحانه وتعالى: (( سِعْتَ كُلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْمًا ) )غافر:7
والله سبحانه وتعالى له مائة رحمة، كما جاء في الحديث, أنزل في هذه الدنيا رحمة واحدة فقط بها يتراحم الخلق كلهم صغيرهم وكبيرهم مؤمنهم وكافرهم ناطقهم والأعجم, حتى إن الدابة لترفع رجلها عن وليدها ليرضع منها بهذه الرحمة
وأما الرحيم فهي خاصة بعباد الله المؤمنين لقوله تعالى: (( كَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ) )الأحزاب:43
(( لحمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ) )الألف واللام في الحمد يستغرقان جميع أجناس الحمد لله تعالى، الشكر والثناء لله سبحانه وتعالى وحده فهو المستحق للحمد والشكر دون سواه.
والحمد والشكر والثناء لله سبحانه وتعالى يكون بأمور:
أولها بالقلب, فيقرر ويعترف أن الله سبحانه هو صاحب النعم وهو المستحق للشكر والثناء وحده دون سواه (( مَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) )النحل:53, (( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) )إبراهيم:24
ثانيها باللسان, فيلهج بالذكر والشكر والحمد لله سبحانه وتعالى وحده.
ثالثها بالجوارح التي أنعم سبحانه وتعالى بها علينا, تُسخر في طاعة الله وتصرف عن معصية الله, وهذا هو الشكر الحقيقي لهذه النعم وكما قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... ... يدي ولساني والضمير المحجبا
(( الحمدُ للَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ) )الرب: هو المالك المتصرف, والعالمين: جمع عالم, وهو كل موجود سوى الله عز وجل، فالإنس عالم, والجن عالم, والملائكة عالم, والحيوان عالم وغيرها من العوالم التي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.