فهرس الكتاب
ومع هذا يبلُغ من فضلِ الله سبحانه على عبدِه المؤمن أنه إذا حمِد الله حمدًا يليق بجلالِه كتبَها له حسنةً ترجحُ كلَّ الموازين، ففي سننِ ابن ماجه عن عبد الله بن عمَرَ أنَّ رسول الله حدّثهم: (( إنَّ عبدًا من عبادِ الله قال: يا ربِّ لك الحمدُ كما ينبغِي لجلال وجهِك ولعظيم سلطانك،(فعضلت بالملكين فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى السماء وقالا: يا ربَّنا إنَّ عبدَك قد قال مقالةً لا ندرِي كيفَ نكتبُها، قال الله عزّ وجلّ وهو أعلم بما قال عبدُه: ماذا قال عبدي؟ قالا: يا ربِّ، إنّه قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهِك وعظيم سلطانك، فقال الله عزّ وجلّ لهما: اكتبَاهَا كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزِيَه بها ) )سنن ابن ماجه: كتاب الأدب (3801)
(( الرَحْمَانِ الرَّحِيمِ ) ) (( ملِكِ يَوْمِ الدّينِ ) )يوم الدين هو يوم القيامة, يوم الجزاء والحساب, وإنما خص الله سبحانه وتعالى المُلك بيوم الدين مع أنه مالك يوم الدين ومالك يوم الدنيا لأنه في ذلك اليوم لا يستطيع أحد أن يدعي الملك بخلاف الدنيا، فقد يدعي بعض الناس الملك والسلطان كما قال فرعون (ألَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَاذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى) الزخرف:51.
أما في ذلك اليوم فلا ملك إلا لله، ولا سلطان ولا جبروت إلا للواحد جل في علاه (لّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ) ) غافر:16].
(إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ) هذه الآية من أعظم الآيات في القرآن الكريم، يقول بعض السلف: إن سورة الفاتحة هي سر القرآن, وسر الفاتحة هذه الآية (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) )لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك، وإياك مفعول به، وقد تقدم هنا ليفيد الحصر, أي لا نصرف أي نوع من أنواع العبادة إلا لك يا الله، فلا نعبد إلا الله ولا نسجد ونركع إلا لله, ولا ندعو إلا الله، ولا نذبح إلا لله، ولا ننذر إلا لله، ولا نطوف إلا ببيت الله، ولا نقدم أي نوع من أنواع العبادة إلا لله. والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، فقوله: (( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) )تبرُّؤٌ من الشرك، وقوله: (( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) )تبرُّؤٌ من الحول والقوة والطول إلا إلى الله سبحانه وتعالى.
وقدم الله سبحانه وتعالى العبادة على الاستعانة مع أن الاستعانة داخلة فيها, لأن العبد لا يستطيع أن يعبد الله كما أراد إلا بتوفيق من الله وعون منه سبحانه وتعالى.
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... ... فأول ما يقضي عليه اجتهاده
ثم يقول سبحانه وتعالى: (( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) )وهذا سؤال ودعاء من العبد لربه أن يهديه الصراط المستقيم, وقد ناسب هذا السؤال وهذا الدعاء بعد أن قدم العبد لربه الحمد والثناء والتمجيد والتفويض وتبرأ من الشرك وأخلص العبادة لله وتبرأ من حوله وقوته وطوله إلى حول الله وقوته وطوله فناسب بعد ذلك أن يسأل الله ويدعوه، وهذا أدب جليل من آداب الدعاء، ومن لاحظ دعاء الأنبياء والمرسلين وجد هذا الأدب واضحًا جليًا، فهذا ذا النون عليه السلام لما ابتلعه الحوت وأصبح في الظلمات ماذا قال؟! هل قال يا رب أخرجني, يا رب أنقذني, يا رب نجني؟ لا إنما أخذ يذكر الله ويثني عليه ويوحده ويسبحه وهو مع ذلك معترف بالذنب ومقرٌّ بالتقصير قال: (( لاَّ اله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) )الأنبياء:87, وفي الآية الأخرى: (( فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) )الصافات:143، 144.
وهذا أيوب عليه السلام ابتلاه الله بالمرض فماذا قال: هل قال: يا رب اشفني, أو قال: يا رب ارحمني؟ لا، بل قال (( أَنّى مَسَّنِىَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) )الأنبياء:83مسني, ما قال: هدّني, وما قال: قتلني, وإنما قال: مسني لامسني ملامسة مع أنه ظل طريح الفراش ما يقارب سبعة عشر عامًا لا يقوى على الحركة وابتلاه الله عز وجل أيضًا في أمواله وأولاده, ففقد كل شيء، ومع ذلك حمد الله وشكره وأثنى عليه وظل ذاكرًا لله حتى شفاه الله عز وجل وأكرمه.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.
أما بعد:
ايها المسلمون! لا زلنا وأياكم في ضلال سورة الفاتحة الكافية والشافية
(( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) )أي دلنا وأرشدنا ووفقنا يا رب إلى صراطك المستقيم إلى الإسلام إلى الطريق الصحيح الموصل إلى الله وإلى جنته ورضوانه.