فهرس الكتاب
وهذا الدعاء, عباد الله, من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد، لذلك وجب على العبد أن يدعو به في كل ركعة من صلاته لضرورته إلى ذلك, لأن العبد بحاجة إلى هداية الله تعالى وتوفيقه في كل لحظة من لحظاته، ولذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يستفتح صلاة الليل بطلب الهداية من الله تعالى فيقول في دعائه: (( اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: (( مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لّلْعَبِيدِ ) )فصلت:46.
فقد وضح الله سبحانه وتعالى صراطه المستقيم وبينه, فقال سبحانه: (( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) )والذين أنعم عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون كما قال سبحانه وتعالى: (( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ النَّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) )النساء:69.
وقد جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محزون, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( يا فلان مالي أراك محزونًا؟ ) )فقال: يا نبي الله شيء فكرت فيه. فقال: (( وما هو؟ ) )قال: نحن نغدو عليك ونروح، ننظر إلى وجهك ونجالسك وغدًا ترفع مع النبيين، فلا نصل إليك، فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: (( وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ النَّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) ).
ثم حذرنا الله سبحانه وتعالى من مخالفة هذا الطريق واتباع غير هذا السبيل, فقال سبحانه: (( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالّينَ ) )فأما المغضوب عليهم فهم اليهود. وغضب الله عليهم, لأنهم علموا وما عملوا، تعلموا العلم لكنهم ما عملوا بهذا العلم، فكان جزاؤهم أن غضب الله عليهم. وأما الضالين فهم النصارى, ما تعلموا فضلوا وتاهوا وحاروا.
وأما طريق أهل الإيمان فهو قائم على العلم بالحق والعمل به.
سأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، ونسأله جل وعلا أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وحسن أولئك رفيقا .
الروضة الخامسة
يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصلاةِ
الحمد لله ذي الجلال الأكبر ، عز في علاه فغلب وقهر ، أحصى قطر المطر ، وأوراق الشجر ، وما في الأرحام من أنثى وذكر ، خالق الخلق على أحسن الصور ، ورازقهم على قدر ، ومميتهم على صغر وشباب وكبر . أحمده حمدا يوافي إنعامه ، ويكافئ مزيد كرمه الأوفر . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادة من أناب وأبصر ، وراقب ربه واستغفر ، وأشهد أن سيدنا ومولانا محمدا عبده ورسوله ، وحبيبه وخليله ، الطاهر المطهّر ، المختار من فهر ومضر . صلى الله عليه ، وعلى آله وصحبه وذويه ، ما أقبل ليل وأدبر ، وأضاء صبح وأسفر ، وسلم تسليما كثيرا كثيرا .
(( يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) )الأحزاب:70-71.
عباد الله إن المسلم مع القرآن الكريم ينبغي أن يُرتب لنفسه وردًا من القرآن يتلوه ويقرأه في كل يوم، ومع القراءة؛ الفهم والتدبر لأن الله عز وجل يقول: (( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءانَ ) )النساء:82 ومع التلاوة والفهم والتدبر العمل، حتى يكون القرآن الكريم حجة لنا لا علينا.
اللهم ارزقنا حُسن تلاوة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا يا رب العالمين.
واحذروا أيها المسلمون من هجر كتاب الله عز وجل: (( وَقَالَ الرَّسُولُ يارَبّ إِنَّ قَوْمِى اتَّخَذُواْ هَاذَا الْقُرْءاَنَ مَهْجُورًا ) )الفرقان:30.
فالحذر الحذر من هجران كتاب الله، فهناك من يهجرون كتاب الله تلاوةً حيث تمضي الأيام والأشهر والأسابيع والسنوات ولا يتلو من كتاب الله شيئًا والعياذ بالله، وهناك من يهجرون كتاب الله فهمًا وتدبرًا، وهناك من يهجرون كتاب الله تطبيقًا وحكمًا وسياسة واقتصادًا وقضاءً، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل القرآن حجة لنا لا علينا يا رب العالمين.
إيها المسلمون