الصفحة 460 من 733

أما بعد: أيها المسلمون اتقوا الله تعالى، واعلموا أن البدع والمحدثات في الدين أصل كل بلاء وفتنة، وأن الشيطان يحرص كل الحرص على صد الناس عن الدين الصحيح، فإن رأى منهم عدم رغبة في الدين شجعهم على ذلك وزين لهم المعاصي والشهوات وفتح لهم أبواب الشبهات، وإن رأى منهم محبة للدين أدخل عليهم من البدع والزيادات ما يفسده عليهم فتنبهوا لذلك، واعلموا أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة والنقصان لأن الله تعالى يقول: { - رضي الله عنه - بسم الله الرحمن الرحيم ( قرآن كريم - عليه السلام - - ( - - - ( تمهيد ( - - رضي الله عنهم - - ( - - صلى الله عليه وسلم - - ( المحتويات ( - - - ( المحتويات ( - - - جل جلاله - - ( - } (1) ، فلا مكان للبدعة في دين الله، قال الإمام مالك رحمه الله: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خان الرسالة لأن الله يقول: { - رضي الله عنه - بسم الله الرحمن الرحيم ( قرآن كريم - عليه السلام - - ( - - - ( تمهيد ( - - رضي الله عنهم - - ( - - صلى الله عليه وسلم - - ( المحتويات ( - - - ( المحتويات ( - - - جل جلاله - - ( - } (2) ، فما لم يكن يومئذ دينًا فلا يكون اليوم دينًا. إن المبتدع معاند لله مشاق له لأن الله حدد الطرق الموصلة إلى الخير وحصرها. وهذا المبتدع يريد أن يزيد عليها أو ينقص منها فجعل نفسه شريكًا لله في تشريعه وكفى بذلك ضلالًا وإثمًا مبينًا، والله أمر باتباع ما شرعه، فأبى المبتدع ذلك واتبع هواه بغير هدى من الله.

عباد الله: كنا في هذه البلاد في عافية من كثير مما وقع فيه من البدع، ولكن لما تسهلت وسائل النقل وتوفرت وسائل الإعلام ووفد إلى بلادنا كثير ممن نشئوا على البدع وربما جاءوا ببدعهم يزاولونها عندنا، فربما يشتبه الأمر على كثير من عوامنا فوجب التنبيه على تلك البدع في أوقاتها حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه، ومن هذه البدع ما يفعل في شهر رجب من العادات الجاهلية والأمور البدعية التي يزعم مرتكبوها أن شهر رجب خاصية على غيره، وليس الأمر كذلك، فإن شهر رجب أحد الأشهر الحرم، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا دخل شهر رجب قال: { اللهم بارك لنا في شهري رجب وشعبان وبلغنا رمضان} (3) ، و لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل رجب حديث، بل عامة الأحاديث المأثورة فيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها كذب قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وقد أحدث الناس في هذا الشهر عبادات لم يشرعها الله ولا رسوله. من ذلك تعظيم أول خميس منه وليلة أول جمعة منه، فإن تعظم هذا اليوم وتلك الليلة من رجب إنما حدث في الإسلام بعد المائة الرابعة، والحديث المروي في ذلك كذب باتفاق العلماء، ولا يجوز تعظيم هذا اليوم لأنه مثل غيره من الأيام. وقال الحافظ ابن رجب، فأما الصلاة فلم يصح في شهر رجب صلاة مخصوصة تختص به، والأحاديث المروية في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصح، وهذه الصلاة بدعة عند جمهور العلماء. قال وأما الصيام فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه.

وروي عن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يضرب أكف الرجال في صوم رجب حتى يضعوها في الطعام ويقول: ما رجب ؟ إن رجبًا كان يعظمه أهل الجاهلية فلما كان الإسلام ترك، وفي رواية كره أن يكون صيامه سنة، وأما العمرة فلم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه اعتمر في رجب، فلا فضل للعمرة في رجب على العمرة في غيره من الشهور كما يظنه بعض الناس، ومن البدع المنكرة التي تفعل في هذا الشهر بدعة الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج في الليلة السابعة والعشرين منه، يحتفلون في تلك الليلة ويخصصونها بأنواع من العبادات ما أنزل الله بها من سلطان فيخصون تلك الليلة بأذكار وأدعية وصلاة، وتخصيص تلك الليلة خطأ من عدة وجوه:

أولًا: أن الإسراء لم يقم دليل على تعيين ليلته التي وقع فيها ولا على الشهر الذي وقع فيه فالعلماء مختلفون في زمانه فتخصيص ليلة من الليالي في رجب أو غيره للإسراء تخصيص لا دليل عليه.

ثانيا: لو ثبت تعيين الليلة التي وقع فيها الإسراء لم يجز لنا أن نخصص تلك الليلة بشيء لم يشرعه الله ولا رسوله فإنه لم يرد أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - احتفل في تلك الليلة ولا خصها بشيء من العبادات، ولم يفعل ذلك خلفاؤه الراشدون من بعده ولا صحابته الكرام، ولا التابعون لهم بإحسان فلا يجوز لأحد بعدهم أن يحدث في الإسلام شيئًا لم يفعلوه.

(1) سورة المائدة آية: 3.

(2) سورة المائدة آية: 3.

(3) أحمد (1/259) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت