الصفحة 487 من 733

فإذا وصل الميقات المؤقت لأهل بلده، فعليه أن يغتسل ويتطيب في بدنه ورأسه ولحيته، ثم يحرم بالعمرة متمتعًا، سائرًا إلى مكة ملبيًا، فإذا بلغ البيت الحرام، فليطف سبعة أشواط بنية طواف العمرة، وجميع المسجد الحرام مكان للطواف، اقترب من الكعبة أو ابتعد، لكن القرب منها أفضل، إذا لم يتأذ بالزحام، و لم يؤذ سواه. فإذا وجد زحامًا فعليه أن يبعد، والأمر واسع ولله الحمد، فإذا فرغ من الطواف فليصل ركعتين خلف مقام إبراهيم، إن تيسر له ذلك، وإلا يصلي في أي مكان من الحرم. ثم ليخرج بعد ذلك لأداء سعي العمرة، فيبدأ بالصفا، فإذا أكمل الأشواط السبعة فعليه أن يقصر من رأسه من جميع الرأس، ولا يجزي التقصير من جانب واحد ولا يغتر بفعل الكثير من الناس.

وينبغي أن يحفظ جوارحه وذهنه وفكره عن كل معصية وعن كل ما يخل بحجه. فإذا كان اليوم الثامن من ذي الحجة، فعلى الحاج أن يغتسل ويتطيب ويحرم بالحج من مكان النزول ثم ليخرج إلى منى، وليصل بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، وفجر يوم عرفة قصرًا من غير جمع، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر بمنى، وفي مكة ولا يجمع.

فإذا طلعت شمس يوم عرفة فليسر إلى عرفة ملبيًا، خاشعًا لله، ثم ليجمع بعد ذلك الظهر والعصر جمع تقديم ركعتين ركعتين لكل من الظهر والعصر ثم ليتفرغ بعد ذلك للدعاء والابتهال إلى الله، وليحرص أن يكون على طهارة طيلة الوقت وليستقبل القبلة، وليجعل الجبل خلفه، فالمشروع استقبال القبلة، ولينتبه الحاج جيدًا لحدود عرفة، وعلاماتها، فإن كثيرًا من الحجاج يقفون دونها، أو بعيدًا منها، ومن لم يقف بعرفة فلا حج له، لقوله عليه الصلاة والسلام: { الحج عرفة} (1) .

ومن وجد في عرفة، فله أن يقف في أي موضع منها إلا بطن الوادي، وادي عرنة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - { وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف} (2) .

فإذا غربت شمس يوم عرفة، وتحقق المسلم من الغروب فليدفع إلى مزدلفة ملبيًا خاشعًا ملتزمًا بالسكينة والوقار ما أمكن، كما أمر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كان ينادي بأصحابه: { أيها الناس السكينة السكينة". فإذا وصل مزدلفة، فليصل بها المغرب والعشاء ثم ليبت بها إلى الفجر} (3) ."

ولم يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحد بالدفع من مزدلفة قبل الفجر إلا للضعفة، فمن كان ضعيفًا أو واهنًا أو مريضًا أو ذا حاجة فله أن يدفع في آخر الليل.

فإذا صلى الحاج في مزدلفة فليتجه إلى القبلة وليكبر الله وليحمده، وليدعه حتى يسفر جدًا، ثم يسير قبل طلوع الشمس إلى منى، ثم يلقط سبع حصيات، وليذهب إلى جمرة العقبة وهى الأخيرة التي تلي مكة، وليرمها بعد طلوع الشمس بسبع حصيات، يكبر الله مع كل حصاة خاضعًا معظمًا له.

فالمقصود من الرمي تعظيم الله وإقامة ذكره، وعليه أن يسقط الحصاة في الحوض، وليس عليه أن يضرب العمود المنصوب هناك، فإذا فرغ من رمي الجمرة فليذبح هديه إن كان قد ساق الهدي، ولا يجزي في الهدي إلا ما يجزي في الأضحية ولا بأس أن يوكل شخصًا في الذبح، ثم ليحلق رأسه بعد الذبح ويجب حلق جميع الرأس، ولا يجوز حلق بعضه دون بعض، والمرأة تقصر من شعرها بقدر أنملة وبذلك يكون قد حل التحلل الأول.

فله أن يلبس، ويقص أظفاره، ويتطيب وليس له أن يأتي النساء.

فإذا نزل قبل صلاة الظهر إلى مكة، طاف طواف الإفاضة الذي هو طواف الحج، وسعى ثم رجع إلى منى، فبهذا الطواف والسعي بعد الرمي والحلق والذبح يكون قد تحلل التحلل الأخير، وجاز له كل شيء بما في ذلك النساء.

أيها الإخوة المسلمون: إن الحاج يفعل يوم العيد أربعة أنساك: رمي الجمرة ثم النحر، ثم الحلق ثم الطواف والسعي، وهذا هو الترتيب الأكمل، ولكن لو قدم بعضها على بعض كأن حلق قبل الذبح مثلًا فلا حرج.

ولو أخر الطواف والسعي حتى ينزل من منى فلا حرج، ولو أخرَ الذبح، فذبح بمكة في اليوم الثالث عشر فلا حرج، لا سيما مع الحاجة والمصلحة، وليبت ليلة الحادي عشر بمنى، فإذا زالت الشمس فليرم الجمرات الثلاث، مبتدئًا بالأولى ثم الوسطى، ثم العقبة، كل واحدة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة.

(1) الترمذي الحج (889) ، النسائي مناسك الحج (3016) ، أبو داود المناسك (1949) ، ابن ماجه المناسك (3015) ، أحمد (4/335) ، الدارمي المناسك (1887) .

(2) مسلم الحج (1218) ، أبو داود المناسك (1907) .

(3) مسلم الحج (1218) ، أبو داود المناسك (1905) ، ابن ماجه المناسك (3074) ، الدارمي المناسك (1850) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت