فهرس الكتاب
عباد الله: حق الجار على جاره مؤكد بالآيات والأحاديث، وما زال جبريل يوصي محمدًا - صلى الله عليه وسلم - بالجار حتى ظن أنه سيشركه في المواريث، ولا يسيء الجوار ويؤذي الجار إلا لئيم وخبيث، بكل فساد في الأرض يعيث وفيه يقول - صلى الله عليه وسلم - { والله لا يؤمن والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل يا رسول الله لقد خاب وخسر من هو ؟ قال من لا يأمن جاره بوائقه. قالوا: وما بوائقه ؟ قال شره} (1) .
كان العرب في الجاهلية والإسلام يحمون الذمار، ويتفاخرون بحسن الجوار وعلى قدر الجار يكون ثمن الدار. والإسلام يأمر بحسن المجاورة ولو مع الكفار وشر الناس من تركه الناس اتقاء شره. وتباعد عنه من يعرفه تجنبًا لضره. وأخبث الجيران من يتتبع العثرات. ويتطلع إلى العورات في سره وجهره، وليس بمأمون على دين ولا نفس ولا أهل ولا مال. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت} (2) ، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { المؤمن من أمنه الناس، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر السوء والذي نفسي بيده لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه} (3) .
عار عليك أيها المسلم أن تبيت شبعانًا، وجارك طاو جائع، وعار عليك أن تلبس الجديد وتبخل بما أبليت من ثيابك على عراة الجيران، وعار عليك أن تتمتع بالطيبات من مشموم ومطعوم وجيرانك يشتهون العظام وكسر الطعام وأنت تعلم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { ألا لا تحقرن جارة لجارتهما ولو فرسن شاة} (4) ، وأنه قال لأبي ذر - رضي الله عنه - { يا أبا ذر إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعهد جيرانك} (5) .
أيها المسلم: إن من حق جارك عليك أن تسلم عليه إذا لقيته، وأن تعوده إذا مرض، وتشيعه إذا مات، وتكون لأولاده بعد وفاته كما كان لهم في حياته. وأن تقف إلى جانبه في السراء والضراء والشدة والرخاء. وفي المثل السائر:"من فاته نفع إخوانه، فلا يفوتنه نفع جيرانه"، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره} (6) .
حرام عليك أيها المسلم أن تنظر في بيت جارك وهو غافل أو تخونه في أهله، ومن نظر في بيت جاره بغير إذنه ملأ الله عينه من نار جهنم، وحرام عليك أن تسمع ما يقول في بيته فتكون جاسوسًا لا يأمنك على قوله وفعله، وإذا عجزت عن بر جارك أو الإحسان إليه والاعتراف بفضله، فكف أذاك عنه ولا تضره ودعه يستريح في منزله وإذا دعاك فأجبه، وإن استشارك فأشر عليه، وإذا كان مظلومًا فانصره أو ظالمًا فاقبض على يديه، وإن أحسن فاشكره وإن أساء فاعف عنه، وإن ارتكب الفساد فلا تقره عليه، فرب جار متعلق بجاره يوم القيامة يقول يا رب إن هذا قد أغلق بابه دوني ومنعني معروفه، ورآني على الشر فلم ينهني عنه { وقال رجل يا رسول الله إن فلانة تذكر من كثرة صلاتها وصيامها، غير أنها تؤذي جيرانها، قال:"هي في النار"، قال: يا رسول الله فإن فلانة تذكر من قلة صلاتها وصيامها وإنها تتصدق بالأثوار من الأقط ولا تؤذي جيرانها قال:"هي في الجنة} (7) ."
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { أربع من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح والمركب الهنيء. وأربع من الشقاوة: الجار السوء والمرأة السوء والمركب السوء والمسكن الضيق} (8) ، والله تعالى يحب جارًا صبر على أذية جاره حتى يكفيه الله إياه بتحول أو موت.
(1) البخاري الأدب (5670) ، أحمد (6/385) .
(2) مسلم الإيمان (48) ، ابن ماجه الأدب (3672) ، أحمد (6/384) ، مالك الجامع (1728) ، الدارمي الأطعمة (2036) .
(3) أحمد (3/154) .
(4) البخاري الهبة وفضلها والتحريض عليها (2427) ، مسلم الزكاة (1030) ، الترمذي الولاء والهبة (2130) ، أحمد (2/506) .
(5) مسلم البر والصلة والآداب (2625) ، الترمذي الأطعمة (1833) ، ابن ماجه الأطعمة (3362) ، أحمد (5/171) ، الدارمي الأطعمة (2079) .
(6) الترمذي البر والصلة (1944) ، أحمد (2/168) ، الدارمي السير (2437) .
(7) أحمد (2/440) .
(8) أحمد (1/168) .