القول الأول: أنها شرط لصحة الخطبة.
وبهذا قال بعض الشافعية (1) وبه قال الحنابلة (2) .
القول الثاني: أنها ليست بشرط، فتصح الخطبة بدون نية. وهذا هو القول المعتمد عند الشافعية (3) .
الأدلة:
أدله أصحاب القول الأول:
استدلوا بالسنة، والمعقول:
أولا: من السنة:
ما رواه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: { إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى... } (4) الحديث (5) .
فهو شامل بعمومه لخطبة الجمعة، لأنها عبادة من العبادات (6) .
ثانيا: من المعقول:
القياس على الصلاة، بجامع أن كلا منهما فرض يشترط فيه الطهارة، والستر، والموالاة (7) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فليس كل ما يشترط للصلاة يشترط للخطبة، ومن ذلك الطهارة، وستر العورة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى -.
دليل أصحاب القول الثاني:
أن خطة الجمعة أذكار، وأمر بمعروف، ونهي عن المنكر، ودعاء، وقراءة، ولا تشترط النية في شيء من ذلك، لأنه ممتاز بصورته منصرف إلى الله - تعالى - بحقيقته، فلا يفتقر إلى نية تصرفه إليه (8) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذه الأشياء وإن كانت لا تشترط النية لكل منها بانفراده إلا أنها تكون بمجموعها عبادة متكاملة، وهي خطبة الجمعة، فتشترط لها النية، كالصلاة مثلا فإنها أقوال وأفعال تكون بمجموعها عبادة، وأما القول بأنه ممتاز بصورته منصرف إلى الله بحقيقته فلا يحتاج إلى نية، فإنه لو قيل به لسرى في بقيه العبادات، وهذا لا قائل به.
الترجيح:
الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط النية لخطبة الجمعة؛ لما استدلوا به من عموم حديث عمر - رضي الله عنه -.
المبحث الثاني
حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة
وفيه تمهيد، ومطلبان:
التمهيد: في أقوال الفقهاء في العدد الذي تنعقد به الجمعة إجمالا.
المطلب الأول: اشتراط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة.
المطلب الثاني: استمرار الحضور حتى نهاية الخطبة.
التمهيد
أقوال الفقهاء في العدد الذي تنعقد به الجمعة إجمالا
الكلام على شرط حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة للخطبة يتطلب التمهيد له بأقوال الفقهاء في أقل عدد تنعقد به الجمعة على سبيل الإجمال.
وقد اختلفوا في ذلك - بعد إجماعهم على اشتراط الجماعة لها (9) - على أقوال أهمها ثلاثة، وهي: -
الأول: أنها تنعقد بثلاثة، وهذا هو قول الحنفية (10) وهو رواية عن الإمام أحمد (11) واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (12) (13) .
(1) ينظر فتح العزيز من المجموع 4/595 ، ومغني المحتاج 1/288.
(2) ينظر: الفروع 2/113 ، والإنصاف 2/389 ، والمبدع 2/159 ، وكشاف القناع 2/33.
(3) ينظر مغني المحتاج 1/288.
(4) البخاري بدء الوحي (1) ، مسلم الإمارة (1907) ، الترمذي فضائل الجهاد (1647) ، النسائي الطهارة (75) ، أبو داود الطلاق (2201) ، ابن ماجه الزهد (4227) ، أحمد (1/43) .
(5) أخرجه البخاري في صحيحه - باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله. 1/2 ، وفي كتاب العتق - باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه 3/119 ، وفي كتاب الأيمان - باب النية في الأيمان 7/231 ، ومسلم في صحيحه في كتاب الإمارة باب قوله"إنما الأعمال بالنيات"3/1515 - 1516.
(6) وممن صرح بالاستدلال به على هذه المسألة البهوتي في كشاف القناع 2/33.
(7) مغني المحتاج 1/288.
(8) المرجع السابق.
(9) وممن نقل هذا الإجماع: النووي في المجموع 4/504 ، 508 ، وابن حجر في فتح الباري2/308 ، والشوكاني في نيل الأوطار 3/226 ، 230.
(10) على خلاف بينهم هل يعتبر الإمام منهم؟ فقال أبو حنيفة ومحمد: ثلاثة سوى الإمام ، وقال أبو يوسف: اثنان سوى الإمام ، ينظر: مختصر الطحاوي ص (35) ، وبدائع الصنائع 2/268 ، والهداية للمرغيناني 1/83.
(11) وهناك روايات أخرى عن الإمام أحمد ، حيث بلغت الروايات عنه في هذه المسألة سبع روايات ، ينظر: الفروع 2/99 ، والإنصاف 2/378 ، والمبدع 2/152.
(12) هو شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله الحراني ، ثم الدمشقي ، تقي الدين ، أبو العباس ، قدم مع والده من حران إلى دمشق في صغره ، وأخذ عنه وعن غيره من علمائها ، وبرع في مختلف العلوم ، وامتحن وأوذي وحبس عدة مرات ، وصنف مصنفات كثيرة وجليلة منها: منهاج السنة ، والسياسية الشرعية، وتوفي سنة 728 هـ (ينظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/387 ، والمقصد الأرشد 1/132) .
(13) الاختيارات ص (79) .