ويرد على هذا الاستدلال ما ورد عليه في المسألة السابقة من أن هذا مجرد فعل، وهو لا يدل على الوجوب، ولكن يجاب عنه بما أجيب عنه هناك.
3 -أن الخطبتين أقيمتا مقام الركعتين من صلاة الظهر، فكل خطبة مكان ركعة، فالإخلال بإحداهما كالإخلال بإحدى الركعتين (1) .
مناقشة هذا الدليل: يمكن مناقشته بأن اعتبار الخطبتين بدل عن ركعتين من الظهر لم يثبت كما تقدم (2) فلا يصح الاستدلال به، والله أعلم.
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة: -
أولا: من السنة:
ما رواه جابر بن سمرة - رضي الله عنه - { أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب قائما خطبة واحدة، فلما أسنَّ جعلها خطبتين يجلس جلسة } (3) .
قال في المبسوط بعد سياقه له:"ففي هذا دليل أنه يجوز الاكتفاء بالخطبة الواحدة" (4) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه لم يثبت هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في تخريجه في الهامش؛ لعدم العثور عليه في كتب السنة المعروفة، وإنما ثبت من حديث جابر كما تقدم في أدلة أصحاب القول الأول من أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب خطبتين، والله أعلم.
ثانيا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم:
1-ما روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في الجمعة أنه خطب فلم يجلس حتى فرغ (5) .
وجه الدلالة: أن عليا - رضي الله عنه - لم يجلس في أثناء خطبته، فدل على أنه اكتفى بخطبة واحدة؛ لأنه لو خطب خطبتين لفصل بينهما بجلسة.
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الأول: أنه مُتكلم في سنده كما في تخريجه.
الثاني: على القول بصحته فإنه ليس فيه تصريح بأنه اكتفى بخطبة واحدة، وإنما غاية ما فيه أنه لم يجلس حتى فرغ، فيحتمل أنه اكتفى بالسكوت اليسير بينهما دون الجلوس ثم استفتح الثانية كالأولى، والله أعلم.
2-ما روي عن المغيرة (6) بن شعبة - رضي الله عنه - أنه لم يجلس بين الخطبتين (7) .
وتوجيه الاستدلال كالذي قبله.
ويناقش - إن ثبت - بالوجه الثاني من الوجهين الذين نوقش بهما ما قبله، وبأنه فعل صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به، والله أعلم.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط خطبتين للجمعة؛ لقوة أكثر أدلتهم.
الفصل الثاني
شروط الخطبة
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: النية.
المبحث الثاني: حضور العدد الذي تنعقد به الجمعة.
المبحث الثالث: أن تكون بعد دخول وقت الجمعة.
المبحث الرابع: تقديمها على الصلاة.
المبحث الخامس: القيام.
المبحث السادس: الجهر.
المبحث السابع: كونها باللغة العربية.
المبحث الثامن: الموالاة.
المبحث الأول
النية
اختلف الفقهاء في اشتراط النية لخطبة الجمعة، أي نية الخطيب، وذلك على قولين:
(1) ينظر: التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 2/185 ، والمغني 3/173 ، وشرح الزركشي 2/177 ، وكشاف القناع 2/31.
(2) ص (34 - 35) .
(3) هكذا أورد هذا الحديث السرخسي في المبسوط 2/26 مستدلا به ، ولم يذكر من خرجه ، ولم أعثر عليه فيما بين يدي من كتب السنة المعروفة ، وقد ذكر بن العربي في عارضة الأحوذي 2/294 من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - بهذا المعنى ، ولم يذكره من خرجه ، ولم أعثر عليه أيضا ، وضعفه فقال:"وهذا الحديث ضعيف ، يرويه الحسن بن عمارة"، وأشار إليه الترمذي بعد سياق حديث بن عمر - رضي الله عنهما - المتقدم في أدلة أصحاب القول الأول.
(4) المبسوط 2/26.
(5) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما 2/112 ، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب الخطبة قائما 3/189 - 190 ، الأثر رقم (5267) مع قصة ، وكلاهما أخرجه من طريق أبي إسحاق السبيعي - وهو ممن رأى عليا ولم يسمع منه - كما في تهذيب التهذيب 8/63 ، فيكون الأثر منقطعا ، وقال بعضهم أنه اختلط بآخره ، ولم يعرف أن ابن صالح - الراوي عنه - سمع منه قبل الاختلاط. وقال في الجوهر النقي عن سند ابن أبي شيبة:"وهذا سند صحيح على شرط الجماعة". (ينظر: الجوهر النقي بهامش سنن البيهقي 3/198 ، وإعلاء السنن 8/55) .
(6) هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي ، أسلم عام الخندق ، وشهد الحديبية ، وكان موصوفا بالدهاء ، ولاه عمر على البصرة ، ثم الكوفة ، ثم أمره عثمان عليها ، ثم عزله ، وشهد اليمامة ، وفتوح الشام والقادسية وغيرها ، وتوفي سنة 50 هـ. (ينظر: أسد الغابة 4/406 ، والإصابة 6/131) .
(7) هكذا ذكره عنه ابن قدامة في المغني 3/176 ، والزركشي في شرح الخرقي 2/176 ، والزيلعي في تبيين الحقائق 2/220 مستدلين به ، ولم يعزوه لأحد ولم أعثر عليه صريحا فيما بين يدي من كتب الآثار ، وقد أخرج عنه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يخطب قائما 2/113 من طريق عبد الملك بن عمير قال:"كان المغيرة يخطب في الجمعة قائما ، ولم يكن له إلا مؤذن واحد"، وليس بصريح.