وقد نُسِبَ القول بذلك إلى عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - (1) وإلى عائشة (2) - رضي الله عنها - (3) .
ويناقش بالوجه الثاني من وجهي مناقشة أثر عمر - رضي الله عنه - المتقدم.
كما قال بمثل ذلك بعض التابعين (4) ولكن قولهم ليس بحجة، فلا أطيل بذكر ذلك، وإنما أشرتُ إليه لاستدلال بعض الفقهاء به.
دليل أصحاب القول الثاني:
أن الجمعة تصح ممن لم يحضر الخطبة، ولو كانت شرطا يجب الإتيان به لم يصح إدراك الجمعة إلا بها (5) .
مناقشة هذا الدليل: قال صاحب الحاوي بعد ذكر هذا الدليل:"وهذا خطأ، ويوضحه إجماع من قبل الحسن وبعده"، ثم ناقشه بأنه غير صحيح، لأن الركعتين واجبتان بالإجماع.
ثم إنه لا يتعلق إدراك الجمعة بها، فلو أدرك ركعة صحت له بالجمعة، فكذلك الخطبة (6) .
الترجيح:
الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الخطبة شرط لصحة الجمعة، لقوة أدلته، بل نقل بعضهم شبه إجماع عليه كما تقدم عن صاحب الحاوي.
المبحث الثالث
هل الشرط خطبة واحدة أو خطبتان
اختلف القائلون في المسألة السابقة باشتراط الخطبة للجمعة - وهم الجمهور - فيما يتحقق به هذا الشرط، هل يتحقق بخطبة واحدة، أو لا بد من خطبتين؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أنه يشترط خطبتان.
وبهذا قال الإمام مالك في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (7) وبه قال الشافعية (8) وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، والمذهب عند أصحابه (9) .
القول الثاني: أنه لا يشترط خطبتان، بل يجزئ خطبة واحدة.
وبهذا قال الحنفية (10) والإمام مالك في رواية عنه، وبها أخذ بعض أصحابه (11) وهو رواية عن الإمام أحمد (12) .
الأدلة:
استدل أصحاب القول الأول بما يلي:
1-ما رواه عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس } (13) (14) .
2-ما رواه جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: { كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما... } (15) الحديث (16) .
وجه الدلالة من هذين الحديثين: أن فيهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب للجمعة خطبتين، وقد قال:
{ صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } (17) (18) (19) .
(1) وممن نسبه إليه الزركشي في شرح الخرقي 2/173 ، ولم أعثر عليه فيما بين يدي من كتب الآثار.
(2) هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ، الصديقة بنت الصديق ، تزوجها النبي قبل الهجرة بسنتين وكان عمرها ست سنين ، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع ، وكانت من أفقه الناس وأحسنهم رأيا ، وروت عن النبي كثيرا ، وتوفيت سنة 57 هـ ، وقيل: 58 هـ. (ينظر: أسد الغابة 5/501 ، والإصابة 8/139) .
(3) وممن نسبه إليها ابن قدامة في المغني 3/171 ، والزركشي في شرح الخرقي 2/173 ، ولم أعثر عليه فيما بين يدي من كتب الآثار.
(4) ومنهم عطاء ، وطاوس ، ومجاهد ، ومكحول وغيرهم. وأخرجه عنهم ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب الرجل تفوته الخطبة 2/128 ، كما أخرجه عن إبراهيم النخعي ، وعطاء ، وسعيد بن جبير: البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب وجوب الخطبة وأنه إذا لم يخطب صلى ظهرا أربعا 3/196.
(5) الحاوي 3/44.
(6) المرجع السابق.
(7) ينظر: الكافي لابن عبد البر 1/250 ، والقوانين الفقهية ص (86) ، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل 2/158.
(8) ينظر حلية العلماء 2/276 ، والمجموع 4/513 ، 514 ، وروضة الطالبين 2/24 ، ومغني المحتاج 1/285.
(9) ينظر الهداية لأبي خطاب 1/52 ، والمغني 3/173 ، والمحرر 1/146 ، وشرح الزركشي 2/177 ، والإنصاف 2/386 ، وكشاف القناع 2/31.
(10) ينظر: المبسوط 2/26 ، والهداية للمرغيناني 1/83 ، وتبيين الحقائق 1/220.
(11) ينظر: عارضة الأحوذي 2/294 ، والقوانين الفقهية ص (86) .
(12) ينظر: المغني 3/173 ، وشرح الزركشي 2/177 ، والإنصاف 2/386.
(13) البخاري الجمعة (878) ، مسلم الجمعة (861) ، الترمذي الجمعة (506) ، النسائي الجمعة (1416) ، أبو داود الصلاة (1092) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1103) ، الدارمي الصلاة (1558) .
(14) تقدم تخريجه ص (31) .
(15) مسلم الجمعة (862) ، الترمذي الجمعة (507) ، النسائي الجمعة (1417) ، أبو داود الصلاة (1093) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1106) ، أحمد (5/100) ، الدارمي الصلاة (1559) .
(16) تقدم تخريجه ص (32) .
(17) البخاري الأذان (605) ، مسلم المساجد ومواضع الصلاة (674) ، الترمذي الصلاة (205) ، النسائي الأذان (635) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (979) ، أحمد (5/53) ، الدارمي الصلاة (1253) .
(18) تقدم تخريجه من حديث مالك بن الحويرث ص (32) .
(19) ينظر: المغني 3/173.