2-ما رواه جابر (1) بن سمرة - رضي الله عنه - قال: { كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن نبأك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب، فقد صليتُ معه أكثر من ألفي صلاة } (2) (3) .
وهذا الفعل دلالته ظاهرة.
مناقشة هذين الدليلين: نوقشا بأن ما ورد فيهما مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الواجب (4) .
الإجابة عن هذه المناقشة: يجاب عنها بالتسليم بذلك لو لم يكن هناك دليل غيرهما على المسألة، لكن ورد الأمر بالخطبة مجملا في قوله - تعالى: { } - ( قرآن كريم - رضي الله عنهم - (( - - - - ( - - فهرس - ( { ( - ( - ( - ( - - - } (5) كما تقدم، فيكون هذا الفعل بيانا لهذا الأمر المجمل، فيكون واجبا، والله أعلم.
3-ما جاء في حديث مالك (6) بن الحويرث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } (7) (8) .
وجه الدلالة:
قال غير واحد من أهل العلم: والنبي - صلى الله عليه وسلم - ما صلى الجمعة في عمره بغير خطبة (9) وقد أمرنا بالصلاة كما كان يصلي، ولو جازت الجمعة بغير خطبة لفعله ولو مرة تعليما للجواز (10) .
مناقشة هذا الاستدلال: نوقش من وجهين:
الأول: أن هذا الحديث - حديث مالك بن الحويرث - لا يصلح الاستدلال به على الوجوب؛ لأنه لو قيل بذلك للزم أن يكون كثير من السنن واجبات لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في صلاته (11) .
الإجابة عن هذا الوجه: يجاب عنه بأنه يقال بذلك لو لم يكن هناك أدلة أخرى تفيد الوجوب، وتجعل هذا الفعل دالا على الوجوب كما سبق في الآيات وكما سيأتي - إن شاء الله - بالإضافة إلى المداومة.
الثاني: أن حديث مالك هذا ليس فيه إلا الأمر بإيقاع الصلاة على الصفة التي كان يوقعها عليها، والخطبة ليست بصلاة (12) .
الإجابة عن هذا الوجه: يجاب عن ذلك بأن الخطبة وإن كانت ليست بصلاة فهي عمل متعلق بها ومن أجلها، ولا اعتبار له بدونها فأخذ حكمها، بالإضافة إلى أن بعض السلف - كما سيأتي إن شاء الله - قال: إن الخطبتين بدل عن ركعتين، فيكون لهما حكم الصلاة، والله أعلم.
ثالثا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين: -
ما روي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال:"الخطبة موضع الركعتين، من فاتته الخطبة صلى أربعا" (13) وفي رواية:"إنما جُعِلَت الخطبة مكان الركعتين فإن لم يدرك الخطبة فليصل أربعا" (14) .
وجه الدلالة: دل هذا الأثر على أن الخطبتين بدل عن ركعتين من صلاة الظهر، وهما واجبتان؛ لأنهما جزء منها، فكذلك حكم بدلهما.
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الأول: أن هذا الأثر منقطع السند (15) فلا يصلح للاستدلال.
الثاني: أن هذا على تقدير ثبوته قول صحابي، وهو مختلف في الاحتجاج به.
(1) هو جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب بن حجير العامري ، ثم السوائي ، مولى بني زهرة ، روى عن النبي وسكن الكوفة ، وتوفي سنة 73 هـ ، وقيل غير ذلك (ينظر: أسد الغابة 1/254 ، والإصابة 1/212) .
(2) مسلم الجمعة (862) ، النسائي الجمعة (1418) ، أبو داود الصلاة (1093) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1106) ، أحمد (5/100) ، الدارمي الصلاة (1559) .
(3) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من الجلسة 2/589 ، الحديث رقم (862) .
(4) ينظر: نيل الأوطار 3/265.
(5) سورة الجمعة آية: 9.
(6) هو مالك بن الحويرث بن أشيم بن زياد بن خشيش الليثي ، يكنى بأبي سليمان ، سكن البصرة ، وقدم على النبي في شبيبة من قومه فعلمهم الصلاة ، وأمرهم بتعليم قومهم إذا رجعوا إليهم ، وتوفي سنة 74 هـ. (ينظر أسد الغابة 4/277 ، والإصابة 3/342) .
(7) البخاري الأذان (605) ، مسلم المساجد ومواضع الصلاة (674) ، الترمذي الصلاة (205) ، النسائي الأذان (635) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (979) ، أحمد (5/53) ، الدارمي الصلاة (1253) .
(8) أخرجه البخاري في صحيحة في كتاب الأذان - باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة. 1/155.
(9) ينظر: المبسوط 2/24 ، وتبيين الحقائق 1/219 ، والإشراف 1/131 ، والفواكه الدواني 1/306 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/114 ، والمغني 3/171 ، وشرح الزركشي على الخرقي 2/173 ، وكشاف القناع 2/31.
(10) ينظر المبسوط 2/42.
(11) ينظر: نيل الأوطار 3/265.
(12) المرجع السابق.
(13) أخرج ذلك عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب من فاتته الخطبة 3/237 ، الأثر رقم (5485) . وابن حزم في المحلى 5/58.
(14) أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب الرجل تفوتة الخطبة 2/128.
(15) ذكر ذلك محقق شرح الزركشي على الخرقي في هامشه 2/173 ، ولم أطلع على كلام عليه في كتب التخريج التي بين يدي.