الصفحة 588 من 733

الوجه الأول: أن تقصير الخطبة المندوب إليه بهذا الحديث وأمثاله ليس إلى هذا الحد بالاقتصار على (الحمد لله) مثلا، فإن هذا لا يسمى خطبة لا شرعا ولا لغة ولا عرفا، بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في خطبته آيات من القرآن، ويُذكّر الناس، ويحمد الله ويثني عليه، إلى غير ذلك في خطبته كما تقدم في حديثي جابر بن سمرة وجابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - (1) ولكنه لا يطيل إطالة مملة، ولا يمكن أن يندب إلى شيء ويخالفه بفعله، والله أعلم.

الوجه الثاني: على تقدير التسليم بأن قول (الحمد لله) يسمى خطبة بناء على ما يتضمنه من المعاني، فإن ذلك مما نهى عنه الشارع لاختصاره الشديد كما ذكر النووي في الوجه الأول من مناقشة الدليل السابق.

ثالثا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم:

1-ما روي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن لما استخلف خطب في أول جمعة، فلما قال:"الحمد لله"، أرتج عليه، فقال:"أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، وإن أبا بكر وعمر كانا يعدان لهذا المكان مقالا، وستأتيكم الخطب من بعد، وأستغفر الله لي ولكم"، ونزل وصلى بهم الجمعة (2) .

وجه الدلالة: أن عثمان - رضي الله عنه - قد اقتصر على هذا الذكر القليل في خطبة الجمعة، وكان ذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار، وصلوا خلفه، وما أنكروا عليه صنيعه مع أنهم كانوا موصوفين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكان هذا إجماعا من الصحابة - رضي الله عنهم - على أن الشرط هو مطلق ذكر الله - تعالى -، ومطلق ذكر الله - تعالى - مما ينطلق عليه اسم الخطبة لغة، وإن كان لا ينطلق عليه عرفا (3) .

مناقشة هذا الدليل: تكلم ابن العربي بكلام جيد جدا في مناقشة هذا الأثر، وأنه كذب حيث قال:"وحكى المؤرخون عن عثمان كذبة عظيمة: أنه صعد المنبر فأرتج منه، فقال كلاما منه: وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال، فيالله والعقول إن قلنا اليوم لا يرتج عليه، فكيف عثمان ! لا سيما وأقوى أسباب الحصر في الخطبة أنه لا يدري ما يرمي السامعين ويميل قلوبهم؛ لأنه يقصد الظهور عندهم، ومن كان خطبته لله فليس يحصر عن حمد وصلاة وحض على خير، وتحذير من شر، أي شيء كان، ولم يخلق من تحصير إلا من كان له غرض غير الحق، فربما أعانه عليه بالفصاحة فتنة، وربما خلق له العي تعجيزا" (4) .

2-ما روي عن الحجاج (5) أنه لما أتى العراق صعد المنبر فقال:"الحمد لله"، فأرتج عليه، فقال:"يا أيها الناس قد هالني كثرة رؤوسكم، وإحداقكم إلي بأعينكم، وإني لا أجمع عليكم بين الشح والعي، إن لي نعما في بني فلان فإذا قضيتم الصلاة فانتهبوها"، ونزل وصلى معه من بقي من الصحابة كابن عمر، وأنس بن مالك - رضي الله عنهم - (6) .

وجه الدلالة: أن ابن عمر وأنسا - رضي الله عنهم - صليا مع الحجاج مع اقتصاره في خطبته على هذا الكلام القليل، ولو كان غير مجزئ لأنكرا عليه ولم يصليا معه، لعدم الخطبة المجزئة.

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه على تقدير ثبوته فإنه تقرير صحابة، وهو مختلف بالاحتجاج به، لا سيما وقد خالف فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم، حيث كان يخطب بأكثر من ذلك، ويذكر الناس، كما خالف العرف.

الترجيح:

عند التأمل في الأقوال والأدلة في هذه المسألة يتضح أن الأظهر من الأقوال فيها - والله أعلم بالصواب - هو القول بأنه ليس لخطبة الجمعة أركان معينة بعينها غير تحصيل مقصودها وهو الوعظ والتذكير، فتحصل بما يطلق عليه خطبة في العرف؛ لأن المأمور به هو ذكر الله وتذكير الناس، ولم يرد تحديده في الشرع، وأما ما ذكره أصحاب القول الثاني فهو مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، كما أن القول بالركنية يقتضي بطلان الخطبة التي لا تشتمل على الأركان أو أحدها، وبالتالي بطلان صلاة الجمعة بأكملها، لأن الخطبة شرط لها كما تقدم في أول البحث، والقول بالبطلان دون دليل صريح وواضح الدلالة فيه صعوبة بالغة.

المبحث الأول حمد الله تعالى

(1) تقدم تخريجهما ص (113 - 114) .

(2) لم أطلع على هذا الأثر فيما بين يدي من كتب الآثار ، وإنما أورده بعض الفقهاء في كتبهم مستدلا به ، ومنهم: الكاساني في بدائع الصنائع 1/262 ، والسرخسي في المبسوط 2/30 - 31 ، والزيلعي في تبيين الحقائق 1/220 ، والحطاب في مواهب الجليل 2/165 وغيرهم ، ولم يعزوه لأحد.

(3) بدائع الصنائع 1/262.

(4) ينظر: عارضة الأحوذي 2/296 ، ونقله عن الحطاب في مواهب الجليل 2/165.

(5) هو الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي ، الأمير الأموي الشهير ، ولي إمرة العراق لعبد الملك بن مروان عشرين سنة ، وقاتل عبد الله بن الزبير في الحجاز ، وبنى مدينة واسط ، وكان قائدا داهية ، وخطيبا فصيحا ، ومات سنة 95 هـ. (ينظر: سير أعلام النبلاء 4/343 ، وتهذيب التهذيب 2/210)

(6) لم أطلع على هذا الأثر فيما بين يدي من كتب الآثار ، وقد ذكره مستدلا به السرخسي في المبسوط 2/31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت