الصفحة 587 من 733

1-ما رواه البراء (1) بن عازب - رضي الله عنه - قال: { جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: لئن أقصرت الخطبة لقد أعرضت (2) المسألة } الحديث (3) .

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى كلام الأعرابي خطبه مع قلته، فدل على أن اسم الخطبة يقع على ذلك وأمثاله، وليس على الكلام الطويل فقط (4) فتصح به الجمعة.

مناقشة هذا الدليل: نوقش بأن تسمية النبي - صلى الله عليه وسلم - لكلام الأعرابي هذا خطبة أسلوب من أساليب العرب غير الخطبة الشرعية المعروفة؛ لأن السؤال لا يسمى خطبة شرعا، ولذلك لو ألقى مسألة على الحاضرين لم يكف ذلك بالاتفاق (5) .

2-ما رواه عدي (6) بن حاتم - رضي الله عنه - { أن رجلا خطب عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله) } (7) (8) .

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماه خطيبا بهذا القدر القليل من الكلام، فدل على أن خطبة الجمعة تحصل بمثل ذلك (9) .

مناقشة هذا الدليل: نوقش من وجهين:

الوجه الأول: أن الصحيح من أقوال أهل العلم كما ذكر النووي أن إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على الرجل كان بسبب اختصاره حيث قال:"والصواب أن سبب النهي أن الخطبة شأنها البسط والإيضاح، واجتناب الإشارات والرموز" (10) وقد ساق - أي النووي - الأدلة على أن الإنكار ليس لأجل التشريك في الضمير، وبهذا يكون الحديث دليلا عليهم لا لهم.

الوجه الثاني: أنه ليس في الحديث ما يدل على أن الرجل اقتصر على هذا القدر، فيحتمل أن هذا مطلع خطبته، وأن الراوي ذكر منها ما أنكره النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، والله أعلم.

3-ما ورد من الأحاديث في الحث على تقصير الخطبة، ومن أبرزها ما روي عن عمار (11) - رضي الله عنه - أنه خطب فأوجز، فقيل له: يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت، فلو كنت تنفست (12) فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: { إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة (13) من فقهه، فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرا } (14) .

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ندب في هذا الحديث تقصير الخطبة، وقول: (الحمد لله) مثلا كلمة وجيزة تحتها معان جمة تشتمل على قدر الخطبة وزيادة، والمتكلم بقوله: (الحمد لله) كالذاكر لذلك كله، فيكون ذلك خطبة لكنها وجيزة، ويتحقق بها ما ندب إليه من التقصير (15) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:

(1) هو البراء ين عازب بن الحارث الأنصاري ، الأوسي ، الحارثي ، يكنى بأبي عمارة ، رده النبي يوم بدر لصغره ، وأول مشاهده أحد ، وقيل: الخندق ، وشهد ما بعدها ، وشهد الجمل وصفين والنهروان مع علي؛ وتوفي أيام مصعب بن الزبير. (ينظر: أسد الغابة 1/171 ، والاستيعاب 1/155) .

(2) قال الليث: أعرضت الشيء: جعلته عريضا. ومعنى الحديث: جئت بالخطبة قصيرة ، وبالمسألة واسعة كبيرة. (ينظر: اللسان ، مادة"عرض"7/166) .

(3) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 4/299.

(4) ينظر: المغني 3/175.

(5) ينظر المرجع السابق.

(6) هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي ، ولد الجواد المشهور ، يكنى بأبي طريف ، صحابي شهير ، أسلم سنة 9 ، وقيل 10 هـ وكان نصرانيا ، وكان ممن ثبت في الردة ، وحضر فتوح العراق وحروب علي ، ومات سنة 80 ، وقيل: 86 هـ. (ينظر: الإصابة 4/288 ، أسد الغابة 3/392)

(7) مسلم الجمعة (870) ، النسائي النكاح (3279) ، أبو داود الأدب (4981) ، أحمد (4/256) .

(8) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/594 ، الحديث رقم (870) .

(9) ينظر: بدائع الصنائع 1/263.

(10) شرح صحيح مسلم 6/159 - 160.

(11) عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي ، يكنى بأبي اليقظان ، مولى بني مخزوم ، صحابي جليل ، من السابقين الأولين ، شهد المشاهد كلها واليمامة ، واستعمله عمر على الكوفة ، وقتل مع علي بصفين سنة 37 هـ. (ينظر: الإصابة 4/273 ، وطبقات ابن سعد 3/246) .

(12) قال النووي: أي أطلت كثيرا.

(13) قال ابن الأثير: أي إن ذلك ما يعرف به فقه الرجل ، وكل شيء دل على شيء فهو مئنة له ، (ينظر النهاية ، مادة"مأن"4/290) .

(14) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/594 ، الحديث رقم (869) .

(15) ينظر: المبسوط 2/31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت