فهرس الكتاب
مناقشة هذين الدليلين: أن المتأمل فيهما يتضح له أنهما عبارة عن رد على القول الثالث، وهو قول الإمام أبي حنيفة، وليس فيهما دلالة واضحة على القول الأول، والله أعلم.
2-أن المشروط هو الخطبة، والخطبة في المتعارف اسم لما يشتمل على تحميد الله، والثناء عليه، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والدعاء للمسلمين، والوعظ والتذكير لهم، فينصرف المطلق إلى المتعارف (1) .
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة.
أولا: من الكتاب:
قول الله - تعالى: { } - ( قرآن كريم - رضي الله عنهم - (( - - - - ( - - فهرس - ( { ( - ( - ( - ( - - - } (2) .
وجه الدلالة: أن الله أمر بالسعي إلى ذكره وهو الخطبة، وقد فسره بفعله كما سيأتي، فيجب الرجوع إلى تفسيره (3) .
ثانيا: من السنة:
1-ما رواه جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: { كانت صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصدا، وخطبته قصدا، يقرأ آيات من القرآن، ويُذكّر الناس } (4) (5) .
2-ما رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: { كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس، يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وخير الحديث كتاب الله } (6) (7) .
وغيرهما من الأحاديث الواردة في هذا المعنى.
مناقشة هذه الأدلة:
تناقش من ثلاثة وجوه:
الأول: أن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب على القول الراجح (8) ولم يرد ما يؤيد حمله على الوجوب.
الثاني: أن الاستدلال بهذه الأدلة على الركنية قد يتحقق لو كان هناك تصريح بمداومته - صلى الله عليه وسلم - على الإتيان بهذه الأمور في جميع خطبه، ولكن ذلك لم يكن هنا؛ لأن عبارة:"كان..."لا تدل على الدوام على أصح القولين، وإنما تدل على التكرار والعادة الماضية، فلا تصلح دليلا على وجوب الفعل حتى عند من يقول: إن المواظبة دليل الوجوب، فلو قال قائل:"كان زيد يقري الضيف"فإنه يدل على أن عادته وغالب أحواله، لا أنه لا يتخلف عن ذلك البتة (9) .
الثالث: أن من أهل العلم من يقول: إن المداومة - على تقدير ثبوتها هنا - لا تدل على الوجوب (10) وهو الأظهر.
أدلة أصحاب القول الثالث:
استدلوا بأدلة من الكتاب، والسنة، وآثار الصحابة - رضي الله عنهم:
أولا: من الكتاب:
قول الله - تعالى: { } - ( قرآن كريم - رضي الله عنهم - (( - - - - ( - - فهرس - ( { ( - ( - ( - ( - - - } - - صلى الله عليه وسلم -( - - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنهم - (( - - رضي الله عنه - - ( - - -(11)
وجه الدلالة: أن الواجب في الآية هو ذكر الله، وذكر الله - تعالى - معلوم لا جهالة فيه، فلم يكن مجملا، لأنه تطاوع العمل من غير بيان يقترن به، فتقييده بذكر طويل لا يجوز إلا بدليل (12) .
مناقشة هذا الوجه: يناقش بأنه لا إشكال في معرفة ذكر الله - تعالى - عموما، ولكنه غير محدد المقدار، فيرجع إلى ما يناسب مقصود الشارع من الخطبة وما يسمى خطبة عرفا، لأن ما لم يرد تحديده في الشرع يرجع فيه إلى العرف، والله أعلم.
ثانيا: من السنة:
(1) ينظر: بدائع الصنائع 1/262.
(2) سورة الجمعة ، جزء من الآية رقم (9) .
(3) ينظر: بدائع الصنائع 1/262 ، والمغني 3/175.
(4) مسلم الجمعة (862) ، الترمذي الجمعة (507) ، النسائي الجمعة (1417) ، أبو داود الصلاة (1101) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1106) ، أحمد (5/100) ، الدارمي الصلاة (1559) .
(5) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة - الحديث رقم (866) .
(6) مسلم الجمعة (867) ، النسائي صلاة العيدين (1578) ، أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2954) ، ابن ماجه المقدمة (45) ، أحمد (3/371) ، الدارمي المقدمة (206) .
(7) أخرجه مسلم في صحيحه في الكتاب والباب السابقين 2/593 ، الحديث رقم (867) .
(8) ينظر في هذه المسألة: المحصول للرازي 3/346 وما بعدها ، والإحكام للآمدي 1/173 - 185 ، ورجح الاستحباب ، والتمهيد لأبي الخطاب 2/317 - 329 ، وشرح الكوكب المنير 2/187 - 188 ، وشرح العضد لابن الحاجب 2/23 ، ورجح الاستحباب ، وإرشاد الفحول لشوكاني ص (36 - 38) ، ورجح الاستحباب أيضا ، وفصل الكلام في المسألة ورجح الندب الأشقر في كتابه أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام الشرعية 2/323 - 381.
(9) ينظر أفعال الرسول ودلالتها على الأحكام الشرعية 2/507 - 510.
(10) ينظر المرجع السابق 2/477 ، 510.
(11) سورة الجمعة ، جزء من الآية رقم (9) .
(12) ينظر: بدائع الصنائع 1/262 ، وذكر معناه في المبسوط 2/31.