الصفحة 585 من 733

وبهذا قال أبو يوسف (1) ومحمد بن الحسن (2) صاحبا أبي حنيفة (3) والإمام مالك في رواية عنه، وهو المشهور من مذهب أصحابه (4) .

وهو الظاهر من قول شيخ الإسلام ابن تيمية - عليه رحمة الله - حيث جاء في الاختيارات:"ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود" (5) .

واختاره الشيخ السعدي (6) - رحمه الله - حيث قال في معرض كلامه على الخطبتين:"والصواب أنه إذا خطب خطبة يحصل بها المقصود والموعظة أن ذلك كاف وإن لم يلتزم بتلك المذكورات، نعم من كمال الخطبة الثناء على الله وعلى رسوله..." (7) .

وقال عندما سئل عن اشتراط الأركان الأربعة في كل من الخطبتين:"اشتراط الفقهاء والأركان الأربعة في كل من الخطبتين فيه نظر، وإذا أتى في كل خطبة بما يحصل به المقصود من الخطبة الواعظة الملينة للقلوب فقد أتى بالخطبة، ولكن لا شك أن حمد الله، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقراءة شيء من القرآن من مكملات الخطبة، وهي زينة لها" (8) . وبه قال ابن حزم (9) .

القول الثاني: لا تحصل إلا بتوفر أركان فيها منها: حمد الله، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقراءة آية، والوصية بتقوى الله.

وبهذا قال الشافعية في المشهور من مذهبهم (10) وهو المذهب عند الحنابلة (11) .

ولهم أقوال أخرى وتفصيلات سيأتي الكلام عليها عند ذكر كل ركن على حدة - إن شاء الله تعالى -.

القول الثالث: ليس لها أركان، بل تحتمل بذكر الله - تعالى - على قصد الخطبة، قل الذكر أو كثر، حتى لو سبح أو هلل أو حمد الله - تعالى - أجزأ.

وبهذا قال الإمام أبو حنيفة (12) . والإمام مالك في رواية عنه (13) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول:

استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول.

أولا: من السنة:

ما رواه مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } (14) (15) .

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرنا أن نصلي كما صلى، ويدخل في ذلك الخطبة للجمعة، ولم يكن يقتصر فيها على تسبيحة أو تسبيحتين (16) .

ثانيا: من المعقول:

1-أنه إذا وجب اسم الخطبة وجب الرجوع إلى العادة والعرف، والعرب تفرق بين الخطبة وغيرها، ولا تسمي من قال: سبحان الله، ولا إله إلا الله، وإن كرر خاطبا (17) .

(1) هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري ، لزم أبا حنيفة ، وغلب عليه الرأي ، وكان له فضل كبير في نشر المذهب الحنفي ، وولي قضاء بغداد ، وهو أول من صنف في مذهب الحنفية ، ومن مصنفاته: الخراج ، والأمالي ، وتوفي سنة 182 هـ. (ينظر: تذكرة الحفاظ 1/292 ، وشذرات الذهب 1/298)

(2) هو محمد بن الحسن بن فرقد ، الشيباني بالولاء ، نشأ بالكوفة ولزم أبا حنيفة وأخذ عنه ، ونشر مذهبه ، وولاه الرشيد قضاء بغداد بعد أبي يوسف ، وصنف مصنفات منها: الجامع الكبير ، والصغير والمبسوط ، وتوفي سنة 189 هـ. (ينظر: سير أعلام النبلاء 9/134 ، والفوائد البهية ص(163)

(3) ينظر المبسوط 2/30 ، وبدائع الصنائع 1/262 ، والهداية للمرغيناني 1/83 ، وتبيين الحقائق 2/220.

(4) ينظر: الإشراف 1/131 ، بداية المجتهد 1/161 ، والكافي لابن عبد البر 1/251 ، والقوانين الفقهية ص (86) ، والفواكه الدواني 1/306.

(5) الاختيارات ص (79) .

(6) هو عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي ، الناصري ، التميمي ، علامة القصيم في زمانه ، كان حافظا ذكيا حريصا على طلب العلم منذ الصغر ، أخذ الحديث عن إبراهيم الجاسر ، والفقه والنحو عن محمد الشبل ، ومختلف العلوم عن صالح بن عثمان القاضي ، فصار علامة زمانه ، وألف مؤلفات جليلة منها: تفسير الكريم المنان ، والإرشاد إلى معرفة الأحكام ، وتوفي سنة 1376 هـ. (ينظر: النعت الأكمل ص(428) ، ومشاهير علماء نجد ص (392) .

(7) المختارات الجلية ص (70) .

(8) الفتاوى السعدية ص (193) .

(9) ينظر المحلى 5/57.

(10) ينظر الوجيز 1/63 ، وحلية العلماء 2/277 ، والمجموع 4/522 ، وروضة الطالبين 2/24 ، ومغني المحتاج 1/285.

(11) ينظر: الهداية لأبي خطاب 1/52 ، والفروع 2/109 ، والمحرر 1/146 ، والمغني 3/173 ، وشرح الزركشي 2/175 ، والإنصاف 2/387 - 388.

(12) ينظر: المبسوط 2/30 ، وبدائع الصنائع 1/262 ، والهداية للمرغيناني 1/83 ، وتبيين الحقائق 1/220.

(13) ينظر: الإشراف 1/131.

(14) البخاري الأذان (605) ، مسلم المساجد ومواضع الصلاة (674) ، الترمذي الصلاة (205) ، النسائي الأذان (635) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (979) ، أحمد (5/53) ، الدارمي الصلاة (1253) .

(15) تقدم تخريجه ص (32) .

(16) ينظر: الإشراف 1/132.

(17) ينظر: المرجع السابق ، والمبسوط 2/30 ، والهداية للمرغيناني 1/83 ، وتبيين الحقائق 1/220 ، وشرح النووي على صحيح مسلم 6/150 ، ورؤوس المسائل الخلافية للعكبري 1/331.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت