الصفحة 584 من 733

وبهذا قال المالكية (1) وهو القول الصحيح عند الشافعية (2) والقول الصحيح عند الحنابلة (3) .

القول الثاني: أنها ليست شرطا، فلا يجب الاستئناف ولو طال الفصل.

وهذا قول للشافعية (4) وقول للحنابلة (5) .

الأدلة:

دليل أصحاب القول الأول:

أن المقصود من الخطبة الوعظ والتذكير واستمالة القلوب، ومع عدم الموالاة لا يتحقق ذلك على الوجه المطلوب لانفصال بعض الكلام عن بعض (6) .

دليل أصحاب القول الثاني:

أن الغرض من الخطبة الوعظ والتذكير، وهذا يحصل مع تفريق الكلمات (7) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بحصول ذلك لكل الحاضرين وعلى الوجه المطلوب كما تقدم في دليل أصحاب القول الأول.

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط الموالاة بين أجزاء الخطبة لما يلي:

1-قوة دليله العقلي، وضعف دليل القول الثاني.

2-أن الخطبة شيء واحد، والشيء الواحد يجب الترابط بين أجزائه كالوضوء، والصلاة، ونحوهما.

3-أن عدم الموالاة قد يؤدي إلى تعدد الخطب في الجمعة أكثر مما ورد وخاصة إذا تعددت موضوعات الخطبة، وتقدم أن المشروع فيها خطبتان.

4-أن عدم الموالاة يؤدي إلى السآمة والملل من قبل السامعين.

المطلب الثاني الموالاة بين الخطبة والصلاة

اختلف الفقهاء في اشتراط الموالاة بين خطبة الجمعة وصلاتها، وذلك على قولين:

القول الأول: أنها شرط، فإن حصل فصل طويل وجب استئناف الخطبة.

وبهذا قال المالكية (8) وهو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح عند أصحابه (9) .

وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (10) .

القول الثاني: أنها ليست شرطا، فلا يجب استئناف الخطبة ولو طال الفصل.

وهو القول القديم للإمام الشافعي (11) وقول الحنابلة (12) .

الأدلة:

دليل أصحاب القول الأول:

أن الخطبة والصلاة في الجمعة شبيهتان بصلاة الجمع، فلم يجر التفريق بينهما (13) .

أما أصحاب القول الثاني فلم أطلع على دليل لهم فيما بين يدي من كتبهم.

الترجيح:

الراجح في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل باشتراط الموالاة بين خطبة الجمعة وصلاتها، لما استدلوا به، ولأن الخطبة للجمعة فهي تسمى"خطبة الجمعة"، وهذا يتطلب اتصالها بالصلاة وإلا لم تكن لها.

الفصل الثالث

أركان خطبة الجمعة (14)

وفيه تمهيد، وستة مباحث:

التمهيد: وفيه خلاف الفقهاء في وجوب توفر أركان في الخطبة إجمالا.

المبحث الأول: حمد الله - تعالى -.

المبحث الثاني: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -.

المبحث الثالث: الموعظة.

المبحث الرابع: قراءة شيء من القرآن.

المبحث الخامس: حكم ترتيب هذه الأركان عند من قال بها.

المبحث السادس: الإتيان بهذه الأركان في كل خطبة من الخطبتين عند من قال بها.

التمهيد

خلاف الفقهاء في وجوب توفر أركان في خطبة الجمعة إجمالا

من المناسب قبل الكلام على ما ذكره بعض الفقهاء من أركان لخطبة الجمعة بالتفصيل التمهيد له بذكر الخلاف في مبدأ إيجاب توفر أركان لها وما تحصل به؛ لأن ما بعده من تفصيل القول في كل ركن على حدة ينبني عليه، وهذا الخلاف على ثلاثة أقوال:

القول الأول: ليس لها أركان، بل تحصل بما يقع عليه اسم الخطبة عرفا.

(1) ينظر مواهب الجليل 2/166 ، والفواكه الدواني 1/307.

(2) ينظر الوجيز 1/62 ، والمجموع 4/507 ، وروضة الطالبين 2/8 ، ومغني المحتاج 1/288.

(3) ينظر: المغني 3/181 ، وشرح الزركشي 2/180 ، والفروع 2/112 ، والنكت بهامش المحرر 1/146 ، والمبدع 2/159 ، والإنصاف 9/38.

(4) ينظر: المجموع 4/507 ، وروضة الطالبين 2/8 ، ومغني المحتاج 1/288.

(5) ينظر: الإنصاف 9/38.

(6) ينظر: مغني المحتاج 1/288.

(7) المرجع السابق.

(8) ينظر: مواهب الجليل 2/166 ، والفواكه الدواني 1/307.

(9) ينظر: المجموع 4/507 ، وروضة الطالبين 2/8 ، ومغني المحتاج 1/288.

(10) ينظر: المغني 3/181 ، وشرح الزركشي 2/180 ، والفروع 2/112 ، والإنصاف 2/389 ، والمبدع 2/159 ، وكشاف القناع 2/33.

(11) ينظر: المجموع 4/507 ، وروضة الطالبين 2/8 ، ومغني المحتاج 1/288.

(12) ينظر: الإنصاف 2/389.

(13) ينظر: الفواكه الدواني 1/307 ، ومغني المحتاج 1/288.

(14) هذه الأمور اختلف من قال بلزوم الإتيان بها وعدم صحة الخطبة بدونها في تسميتها فبعضهم يسميها أركانا ، ومنهم: الغزالي في الوجيز 1/63 ، والنووي في روضة الطالبين 2/24 ، وفي المنهاج ، والشربيني في شرحه مغني المحتاج 1/285 ، والزركشي في شرح الخرقي 2/178 ، ومنهم من يسميها شروطا ، ومنهم: أبو الخطاب في الهداية 1/52 ، وابن قدامة في المغني 3/173 ، والمرداوي في الإنصاف 2/387 ، ومنهم من يسميها فروضا ، ومنهم: النووي في المجموع 4/519 ، والمؤدى واحد ، ولكني غلبت تسميتها أركانا تبعا لمن سماها ، ولأن إطلاق الركن عند الفقهاء ينطبق عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت