الصفحة 583 من 733

ما رواه مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } (1) (2) (3) .

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالصلاة كما صلى، وقد كان يخطب باللغة العربية، فيجب أن نفعل كما فعل.

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الخطبة ليست من الصلاة، كما أن الاستدلال بهذا الحديث على الوجوب محل نظر كما تقدم أكثر من مرة.

ثانيا: من الآثار:

أن السلف والخلف كانوا يخطبون بالعربية، فيجب اتباعهم في ذلك (4) .

ثالثا: من المعقول:

أن الخطبة ذكر مفروض، فشرط فيه العربية، كالتشهد، وتكبيرة الإحرام (5) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بالفرق بين الخطبة وبين التشهد وتكبيرة الإحرام، حيث لم ترد الخطبة بلفظ مخصوص، بل المقصود حصول الوعظ بأي لفظ كان، بخلاف التشهد وتكبيرة الإحرام، والله أعلم.

دليل أصحاب القول الثالث:

أن المقصود هو الوعظ، وهو حاصل بكل اللغات (6) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن حصوله باللغة العربية أبلغ وأكثر فائدة وتأثيرا، ولذلك اختارها الله - تعالى - لكتابه وشرعه، وهي التي كان يخطب بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه والمسلمون من بعدهم، فهي المتعينة، والله أعلم.

الترجيح:

الذي يظهر في هذه المسألة بعد التأمل في الأقوال وأدلتها - والله أعلم بالصواب - هو رجحان القول باشتراط أن تكون خطبة الجمعة باللغة العربية، لكن إن كان جميع الحاضرين لا يعرفونها، فإن للإمام بعد أن يأتي بها باللغة العربية أن يأتي بها بلغتهم، لما استدل به أصحاب القولين الأول والثاني من الأدلة، ولأن في ذلك خروجا من الخلاف وتحقيقا للمقصود، وهذا ما أفتى به سماحة الشيخ محمد (7) بن إبراهيم آل الشيخ - رحمه الله - (8) واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة (9) واختار فضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - القول الأول (10) .

المبحث الثامن

الموالاة في الخطبة

وفيه تمهيد، ومطلبان:

التمهيد: في معنى الموالاة، وضابطها هنا.

المطلب الأول: الموالاة بين أجزاء الخطبة.

المطلب الثاني: الموالاة بين الخطبة والصلاة.

التمهيد

معنى الموالاة، وضابطها هنا

معنى الموالاة: المتابعة بين أجزاء الشيء.

قال في اللسان:"والى بين الأمر موالاة وولاء: تابع، وتوالى الشيء: تتابع، والموالاة: المتابعة، وافعل هذه الأشياء على الولاء: أي متتابعة...." (11) .

وقال في مختار الصحاح:"يقال: والى بينهما ولاء بالكسر أي تابع، وافعل هذه الأشياء على الولاء، أو متتابعة، وتوالى عليهم شهران، تتابع" (12) . وقال في المصباح:"والاه موالاة وولاء من باب قاتل: تابعه، وتوالت الأخبار: تتابعت" (13) فبناء على ذلك يكون معنى موالاة الخطبة المتابعة بين أجزائها بدون فاصل طويل.

وأما ضابطها هنا فهو عدم الفصل الطويل عادة، قال في المغني:"والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة" (14) .

المطلب الأول

الموالاة بين أجزاء الخطبة

اختلف الفقهاء في اشتراط الموالاة بين أجزاء الخطبة على قولين:

القول الأول: أنها شرط، فإن حصل فصل طويل عادة وجب الاستئناف.

(1) البخاري الأذان (605) ، مسلم المساجد ومواضع الصلاة (674) ، الترمذي الصلاة (205) ، النسائي الأذان (635) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (979) ، أحمد (5/53) ، الدارمي الصلاة (1253) .

(2) تقدم تخريجه ص (32) .

(3) استدل به النووي في المجموع 4/522.

(4) ينظر: مغني المحتاج 1/286.

(5) ينظر: المجموع 4/521 - 522 ، ومغني المحتاج 1/286.

(6) ينظر: المجموع 4/522.

(7) هو سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، مفتي المملكة العربية السعودية في وقته ، ولد في الرياض عام 1311هـ ، وتعلم فيها ، وفقد بصره وهو صغير فتابع الدراسة وحفظ كتاب الله ومتون العلم ، ثم تصدر للإفتاء وعين مفتيا للملكة ، ثم رئيسا للجامعة الإسلامية ، وللمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ، ولتعليم البنات ، أملى من تأليفه عددا من الكتب منها: تحكيم القوانين ، والجواب المستقيم ، وتوفي في الرياض عام 1389 هـ. (ينظر: مشاهير علماء نجد ص(169 - 184) ، والأعلام (5/306) .

(8) فتاوى ورسائل سماحته 3/19.

(9) مجلة البحوث الإسلامية ، العدد (15) ، ص (84) .

(10) ينظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع 5/78.

(11) لسان العرب ، مادة"ولي"15/412.

(12) مختار الصحاح ، مادة"ولي"ص (306) .

(13) المصباح المنير ، مادة"ولي"2/672.

(14) المغني 3/181.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت