الصفحة 582 من 733

ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: { إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة أنصتْ والإمام يخطب فقد لغوت } (1) (2) .

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالإنصات للخطبة، وحرم السلام حالها، وهذا لا يكون له فائدة إلا إذا كان الإمام يجهر بها، فاقتضى ذلك وجوب الجهر بالخطبة.

ثالثا: من المعقول:

أن المقصود من الخطبة وعظ الناس وتذكيرهم، وهذا لا يحصل إلا مع الجهر بها، فدل ذلك على اشتراطه (3) .

دليل أصحاب القول الثاني:

لم أطلع على دليلٍ لهم، ولكن لعلهم يستدلون بأن الوارد مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب.

ولكن يناقش هذا بأنه وإن كان مجرد فعل إلا أنه لا يتحقق المقصود من الخطبة بدونه مطلقا، وهو الوعظ والتذكير، فيكون وجوبه مستمدًا من أصل وجوب الخطبة ذاتها، والله أعلم.

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الجهر بالخطبة شرط لصحتها؛ لقوة ما استدلوا به، ولأن الخطبة واجبة وشرط لصحة الجمعة كما تقدم، والجهر وسيلة لأدائها وتحقيق المقصود منها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

المبحث السابع

كونها باللغة العربية

اتفق الفقهاء كما هو واضح من كلامهم الآتي على أن الأولى أن تكون الخطبة باللغة العربية، ولكنهم اختلفوا في اشتراط ذلك باستثناء قراءة القرآن فيها عند من يقول بأنها ركن كما سيأتي، وهذا الخلاف على ثلاثة أقوال:

القول الأول: يشترط أن تكون بالعربية للقادر عليها، إلا إذا كان السامعون جميعا لا يعرفون العربية فإنه يخطب بلغتهم.

وهذا الوجه الصحيح عند الشافعية (4) وبه قال بعض الحنابلة (5) .

القول الثاني: يشترط أن تكون بالعربية للقادر عليها ولو كان السامعون لا يعرفون العربية.

وبهذا قال المالكية (6) وهو المذهب والمشهور عند الحنابلة (7) .

القول الثالث: يستحب أن تكون بالعربية.

وهذا هو الظاهر من إطلاق الحنفية لجواز الخطبة بغير العربية (8) وهو وجه عند الشافعية (9) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول:

أولا: استدلوا على عدم الجواز مع القدرة على العربية بما يلي:

القياس على قراءة القرآن، فكما أنها لا تجزئ بغير العربية، فكذلك خطبة الجمعة (10) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بما نقله في الفروع عن القاضي (11) وهو قوله:"إن لفظ القرآن دليل النبوة وعلامة الرسالة ولا يحصل بالعجمية، والخطبة المقصود بها الوعظ والتذكير وحمد الله والصلاة على رسوله، ولأن القرآن الاعتبار فيه باللفظ والنظم دون المعنى، والخطبة يجزئ فيها المعنى" (12) .

ثانيا: واستدلوا على الجواز مع عدم القدرة على العربية بما يلي:

أن المقصود بالخطبة الوعظ والتذكير، وذلك يحصل بغير العربية (13) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه إذا كان هذا هو المقصود فإنها تجوز مع القدرة إذا كان المستمعون لا يعرفون العربية، فيكون الدليل حجة عليهم.

أدلة أصحاب القول الثاني:

استدلوا بأدلة من السنة، والآثار، والمعقول.

أولا: من السنة:

(1) البخاري الجمعة (892) ، مسلم الجمعة (851) ، الترمذي الجمعة (512) ، النسائي الجمعة (1402) ، أبو داود الصلاة (1112) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1110) ، أحمد (2/396) ، مالك النداء للصلاة (232) ، الدارمي الصلاة (1548) .

(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب. 1/224 ، ومسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب في الإنصات يوم الجمعة في الخطبة 2/583 ، الحديث رقم (851) .

(3) ينظر: مغني المحتاج 1/387 ، وكشاف القناع 2/33.

(4) ينظر: حلية العلماء 2/279 ، والمجموع 4/521 - 522 ، وروضة الطالبين 2/26 ، 30 ، مغني المحتاج 1/286 لكنهم قيدوا الجواز إذا كان السامعون لا يعرفون العربية بمدة التعلم ، أي حتى يتعلموا اللغة العربية.

(5) ينظر: الفروع 2/113 ، 117.

(6) ينظر: الفواكه الدواني 1/306 ، بلغة السالك والشرح الصغير بهامشه 1/178.

(7) ينظر: الفروع 2/113 ، والإنصاف 2/390 ، والمبدع 2/159 ، وكشاف القناع 2/34.

(8) ينظر: مراقي الفلاح ص (102) .

(9) ينظر: المجموع 4/522 ، وروضة الطالبين 2/26.

(10) ينظر: الفروع 2/113 ، والمبدع 2/159 ، وكشاف القناع 2/34.

(11) المقصود به عند الإطلاق إلى أثناء المائة الثامنة كما هنا حسب ما ذكره ابن بدران في المدخل ص (204) محمد بن الحسين بن محمد بن خلف الحنبلي ، البغدادي ، المعروف بأبي يعلى ، شيخ الحنابلة وإمامهم في عصره ، تفقه على ابن حامد وغيره ، وصنف مصنفات منها: العدة في أصول الفقه ، والأحكام السلطانية ، وتوفي سنة 447 هـ. (ينظر: طبقات الحنابلة 2/193 ، والمنهج الأحمد 2/105) .

(12) الفروع 2/113.

(13) ينظر: كشاف القناع 2/34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت