الصفحة 591 من 733

القول الأول: أنها ركن، فلا بد من اشتمالها على الموعظة، ولا يتعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بل يقوم مقامه أي وعظ كان، ولا يكفي ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها. وبهذا قال الإمام الشافعي وجمهور أصحابه (1) وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الميل إلى ذلك، حيث جاء في الاختيارات:"ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت، بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا... وأما الأمر بتقوى الله فالواجب إما معنى ذلك، وهو الأشبه من أن يقال الواجب لفظ التقوى" (2) .

كما اختاره ابن سعدي كما تقدم (3) .

القول الثاني: أنها ركن فلا بد من اشتمالها على الموعظة، وتحين في ذلك لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى -.

وبهذا قال الشافعية في وجه عندهم (4) لكن قال عنه النووي:"وهذا ضعيف أو باطل" (5) . وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم، وقطع به كثير منهم (6) .

القول الثالث: أنها سنة.

وبهذا قال الحنفية (7) والمالكية (8) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول:

أولا: استدلوا على الركنية بأدلة من السنة، والمعقول:

فمن السنة: ما جاء في حديث جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: { كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - خطبتان، يجلس بينهما، يقرأ القرآن، ويذكِّر الناس } (9) (10) .

فالشاهد من الحديث قوله: (ويذكِّر الناس) .

قال النووي:"فيه دليل للشافعي في أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن" (11) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هذا مجرد فعل، والفعل المجرد لا يدل على الوجوب، بل على الاستحباب، وأن لفظ: (كان...) لا يدل على المداومة، وإن دل عليها فإنها لا تدل على الوجوب كما تقدم (12) .

ومن المعقول: أن المقصود من خطبة الجمعة الموعظة، فلا يجوز الإخلال بها (13) .

ثانيا: واستدلوا على عدم تعين لفظ الوصية بتقوى الله - تعالى - بما يلي:

أن الغرض هو الوعظ والحمل على طاعة الله - تعالى - فيكفي ما دل على الموعظة طويلا كان أو قصيرا، كأطيعوا الله وراقبوه، ولا يتعين لفظ التقوى (14) .

ثالثا: واستدلوا على أنه لا يكفي في الوعظ ذم الدنيا والتحذير من الاغترار بها بما يلي:

أن ذلك قد يتواصى به منكرو الشرائع والبعث، فلا بد من الحمل على طاعة الله، والمنع من معصيته (15) .

أدلة أصحاب القول الثاني: أولا: استدلوا على الركنية بما استدل به أصحاب القول الأول.

ثانيا: استدلوا على تعين الوصية بتقوى الله - تعالى - بأدلة من الكتاب، والمعقول.

فمن الكتاب: قول الله - تعالى: { ( - - - - - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - - عليه السلام - - ( - - (- عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - - رضي الله عنه - (( ( - - - - } - قرآن كريم ( - - صلى الله عليه وسلم -( - - - (- رضي الله عنه - - ( - ( - - - صدق الله العظيم ( تم بحمد الله ( المحتويات ( تمهيد ( - ( تمهيد - - ( المحتويات ( - - ( - ( { - عليه السلام -- صلى الله عليه وسلم - ( تمت - صلى الله عليه وسلم - - } - قرآن كريم ( { ( - - - - - - } الآية(16) .

وجه الدلالة: أن الموعظة جاءت في هذه الآية بلفظ التقوى، فيتعين هذا اللفظ في خطبة الجمعة (17) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه غير ظاهر الدلالة، فلا ارتباط بين لفظ التقوى في هذه الآية وبين تعينه في خطبة الجمعة، والله أعلم.

ومن المعقول: أن لفظ التقوى يتعين في خطبة الجمعة كلفظ الحمد، والصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (18) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:

(1) ينظر: الحاوي 3/57 - 58 ، والوجيز 1/64 ، والمجموع 4/519 ، وروضة الطالبين 2/25 ، ومغني المحتاج 1/285.

(2) الاختيارات ص (79 - 80) .

(3) ص (109) .

(4) ينظر: المجموع 4/519 - 520 ، وروضة الطالبين 2/25 ، ومغني المحتاج 1/285.

(5) ينظر: المجموع 4/520.

(6) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/52 ، وشرح الزركشي 2/177 - 178 ، والفروع 2/109 - 110 ، والمحرر 1/147 ، والإنصاف 2/388 ، والمبدع 2/158.

(7) ينظر: الفتاوى الهندية 1/147 ، ومراقي الفلاح ص (103) .

(8) ينظر: الإشراف 1/132.

(9) مسلم الجمعة (862) ، النسائي الجمعة (1417) ، أبو داود الصلاة (1093) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1106) ، أحمد (5/100) ، الدارمي الصلاة (1559) .

(10) تقدم تخريجه ص (32) .

(11) ينظر: شرح صحيح مسلم 6/150 ، وقد استدل به على ذلك أيضا الشيرازي في المهذب 4/516 ، والزركشي في شرح الخرقي 2/177.

(12) ص (114 - 115) .

(13) ينظر: المهذب مع المجموع 4/516 ، ومغني المحتاج 1/285 ، وشرح الزركشي 2/177 ، والمبدع 2/158 ، وكشاف القناع 2/32.

(14) ينظر: مغني المحتاج 1/285.

(15) ينظر المرجع السابق ، والمجموع 4/520.

(16) سورة النساء ، جزء من الآية رقم (131) .

(17) هكذا جاء في الاختيارات الاستدلال بهذه الآية ص (80) .

(18) ينظر: المجموع 4/520 ، ومغني المحتاج 1/285.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت