ومن هنا فإنكم ترونَ أنَّ أداءَ الخطيب عملَه على وجهه يكسوه بهاءً وشرفًا، ويرفعه إلى مكان عليٍّ عند الناس. وليس هذا إطراءً ولا مديحًا للخطيب، ولكنه تنبيه إلى شرف العمل ومشقَّته وعظم مسؤوليته وثقل رسالته، وما تتطلَّبه من حسن استعداد وشعورٍ صادق للمسؤولية، وكيف لا يكون ذلك؟! وهذه رسالة الأنبياء والصديقين والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، ولا غرابةَ أن يواجهَ إذاءً وعداءً ولوما ونقدًا، وحسبُه أن يكون مقبولا عند الله والصفوةِ من عباد الله." (1) "
3-كم رصيدك من العلم والثقافة
وهذا أساس لا بد منه حتى يجد الناس عند الخطيب إجابة التساؤلات ، وحلول المشكلات إضافة إلى ذلك هو العدَّة التي بها يعلِّم الخطيب الداعية الناس أحكام الشرع ، ويبصرهم بحقائق الواقع ، وبه أيضًا يكون الخطيب قادرًا على الإقناع وتفنيد الشبهات ، ومتقنًا في العرض ، ومبدعًا في التوعية والتوجيه
.وإذا كانت الدعوة إلى الله أشرف مقامات العبد وأجلها وأفضلها فهي لا تحصل إلاَّ بالعلم الذي يدعو به وإليه ،ولا بد من كمال الدعوة من البلوغ في العلم على حد يصل إليه السعي.
وإذا نال الخطيب حظًا وافيًا من العلم واندرج في سلك طلبة العلم فإنه يكون في مجتمعه نبراسًا يُهتدى به كما قال ابن القيم عن الفقهاء
(( إنهم يكون الأرض بمنزلة النجوم في السماء ، بهم يُهتدى في الظلماء ، حاجة الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب ، وطاعتهم أفرض عليهم من طاعة الأمهات والآباء ) ) (2)
وعندما يتحرك الداعية ناشرًا علمه ساعيًا بين الناس بالإصلاح ناعيًا عليهم الغفلة والفساد فإنه يحظى بشرف الوصف الذي ذكره الإمام أحمد حين قال: (( الحمد لله الذي جعل في كل فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضلَّ إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ، يحيون بكتاب الله تعالى الموتى ، ويبصرون بنور الله أهل العمى ، فكم من قتيلٍ لإبليس قد أحيوه ، وكم من ضال تائه قد هَدوه ، فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم وأهل العلم والبصيرة من الدعاة شهد التاريخ أنهمهم من اهتدى بهم الحائر ، وسار بهم الواقف ، وأقبل بهم المعرض ، وكمُل بهم الناقص ، ورجع بهم الناكص ، وتقوى بهم الضعيف ) )
وقال أبو هلال العسكري في (( الحث على طلب العلم ) ): (( فإذا كنت - أيها الأخ الكريم - ترغب في سمو القدر ، ونباهة الذكر ، وارتفاع المنزلة بين الخلق ، وتلتمس عزًا لا تثلمه الليالي والأيام ، ولا تتحيَّفه الدهور والأعوام ، وهيبة بغير سلطان ، وغنى بلا مال ، ومنعة بغير سلاح ، وعلاء من غير عشيرة ، وأعوانًا بغير أجر ، وجنُدًا بلا ديوان وفرض ، فعليك بالعلم فاطلبه في مظانه تأتك المنافع عفوًا وتلق ما يعتمد منه صفوًا ) )
4-ثقافة الخطيب
أما عن ثقافة الخطيب فالمقصود بها:-
أولًا: حفظ كتاب الله حفظًا مكينًا بحيث تصير الآيات له كما لو كان يقرؤها وينظر فيها. أو على الاقل قدر كبير منه فلاشك أن حافظ القرآن عن ظهر قلب أقدر على استحضار الآيات والاستشهاد بها وأن هذه الصفة من صفات الكمال للخطيب، ولكن لاشك أن هناك قدرًا ضروريًا لا غنى للخطيب عنه، هذا القدر يتعلق أولًا بالقدرة على التلاوة الصحيحة السليمة لكتاب الله عز وجل بغير لحن، ثم القدرة على استحضار الآيات المتعلقة بموضوع خطبته ومعرفة أقوال أهل العلم في تفسيرها والتمييز بين الصحيح والسقيم، والإسرائيليات والموضوعات وغيرها.
وليحذر الخطيب في أن يقحم الآيات في غير محلها أو يصرفها عن غير وجهها أو يخضعها للنظريات العلمية والاكتشافات العصرية أو يخضعها لواقعه الزمني أو المكاني إذا كان مخالفًا لدين الله
ثانيًا: حفظ قدر كبير من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وبخاصة كتاب"رياض الصالحين"للخطيب المبتدئ؛ لما يتسم به هذا الكتاب من سهولة العبارة، وقلة الألفاظ، وحسن التبويب، ودقة العرض بتجميع موضوعات الباب، كل على حدة.
ثالثًا: النظر في القصص القرآني الكريم؛ إذ فيه مادة لطيفة لاستخلاص العبرة وربط الفكرة، خاصة أن الناس يحبون هذا اللون من الأداء.
رابعًا: شحن الذهن بغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم وربطها بالواقع المعيش.
خامسًا: النظر في حياة الصحابة أولئك الصفوة والفئة المنتقاة، وأخذ الأسوة عنهم وربطها بحياة الناس.
سادسًا: العلم بالأحكام الشرعية المتعلقة بالإمامة والصلاة:
وهذه الصفة فرع عن الصفة الأولى ولكن أفردناها لأهميتها والتنبيه عليها، فينبغي أن يكون عالمًا بأحكام الخطبة والصلاة وشرائطهما ومصححاتهما ومبطلاتهما وجوابرهما وكيفياتهما وتكميلاتهما.
ولا يشترط أن يكون عالمًا مجتهدًا مطلقًا ولا مقيدًا، ولا أن يكون مفتيًا في جميع الأحكام ولا حبرًا لجميع الأنام، فإن ذلك من صفات الكمال، لا من صفات الصحة والإبطال
سابعا:. علم التاريخ:
(1) - من محاضرة للشيخ صالح بن حميد في موسم الرابطة الثقافي لعام 1423هـ
(2) - زاد المعاد