الصفحة 5 من 733

وحين فهم الاوائل هذا المعنى أوضحوا لجيلهم معانيه فأيقظوا النفوس الغفلة ليستقر فيها مفهوم النية قال ابن المبارك (رب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية )

وقال الكيلاني

(كن صحيحا في السر تكن فصيحا في العلا نية ) (1)

وأعلم أخي الخطيب أنه لا يشرح الصدر مثل الكلام الصادق، والبيان الناطق، واللفظ الدافق، والأسلوب السامق، أما كلام الحاكة، وألفاظ أهل الركاكة، فهو حُمّى الأرواح، في الصدور رماح، وفي القلوب جراح.

وإذا كان الإخلاص فريضة على كل عابد؛ فهو في حق العامل والداعي أفرض وأوجب، وغني عن الذكر ما ورد في القرآن من آيات وفي السنة من أحاديث تحض على الإخلاص في العمل والعبادة، وتحذر من الشرك بالله وابتغاء غير وجهه تعالى بالعمل.

يبيّن الشيخ محمد الغزالي في كتابه مع الله"أن الداعية المرائي يقترف جريمة مزدوجة، إنه في جبين الدين سُبَّة متنقلة وآفة جائحة، وتقهقُرُ الأديان في حلبة الحياة يرجع إلى مسالك هؤلاء الأدعياء، وقد رويت آثار كثيرة تفضح سيرتهم وتكشف عقباهم، والذي يحصي ما أصاب قضايا الإيمان من انتكاسات على أيدي أدعياء التدين لا يستكثر ما أعد لهم في الآخرة من ويل.. والعمل الخالص الطيب -ولا يقبل الله إلا طيبا- هو الذي يقوم به صاحبه بدوافع اليقين المحض وابتغاء وجه الله، دون اكتراث برضا أو سخط، ودون تحرٍّ لإجابة رغبة أو كبح رغبة" (2)

والمفروض أن الخطيب العارف بالله قد بلغ من منازل الإيمان منزلة تجعل رجاءه في الله وحده يسبق كل رغبة إلى مخلوق ، والإخلاص يجعل للكلمات حيوية مؤثرة ، وللدعوة قولًا سريعًا .

وهاهو ابن الجوزي يصف لنا المخلصين فيقول (إنهم رجال مؤمنون ونساء مؤمنات يحفظ الله بهم الارض بواطنهم كظواهرهم بل أجلى وسرائرهم كعلانيتهم بل أحلى وهمهم عند الثريا بل أعلى ) (3)

فأنطلق أخي الخطيب على بركة الله بالإخلاص لله في طريق الله لتصل الى الله وقد رضي عنك فأجزل لك العطاء وأسبغ عليك النعم وأكرمك أفضل إكرام وإذ بالحسنات قد تضاعفت وبالسيئات قد محيت وإذ بك تستمع

(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) (4) .

2-الشعور بالمسؤلية

يجب أن يشعر الخطيب بأنه صاحب رسالة يؤديها، ويقصد من خلالها وجه الله، حتى ولو كانت تلك وظيفته التي يقتات منها، وذلك لأن صاحب الرسالة يستفرغ كل طاقته في محاولة إيصالها إلى الناس، لا يكل ولا يمل.

والحقيقة إذا ما توفر هذا الشعور في نفس الخطيب فإن النجاح سيكون حليفه، وسيكون من أحسن الناس قولًا.

قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (5) فلا أحد أحسن قولًا ممن حمل مشعل الدعوة إلى الله وإلى إتباع منهجه والالتزام بأحكامه وتعاليمه، والواجب على الداعية أو الخطيب أن يعلن هويته وانتمائه بقوله: إنه من المسلمين بعيدًا عن الفئوية الضيقة، والنظرة المحدودة. لأن الإسلام هو الأصل وهو الأعم والأشمل.

و"الخطيب الناجح والمؤثر هو خطيب يتخذ الإخلاص مطية، تصل به إلى دربه ومبتغاه، ويحزم متاعه برباط الخوف من قيوم السماوات والأرض". (6)

ثم اعلم اخي الخطيب أنه قد اصطفاك الله لحمل دعوته، ورعاية أمانته، وصيانة عهده، وتحقيق وعده فعلم الناس دين الله وابسطه بين أيديهم

(( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) ) (7) (( وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ) (8)

فيا أيها الخطيب أري الله من نفسك خيرًا، واعلم أنك من ورثة الأنبياء.

ثم اعلم أخي"إنَّ خطيبَ المسجد وواعظَ الجماعة أشدُّ فاعلية في نفوس الجماهير من أيّ جهاز من أجهزة التوجيه والحكم في المجتمع، إن الجمهورَ قد يهابون بعضَ ذوي المسؤوليات لكنهم قد لا يحبونهم، أما الخطيبُ بلسانه ورقة جنانه وتجرّدِه فيقتلعُ جذورَ الشرّ في نفس المجرم، ويبعث في نفسه خشيةَ الله وحبَّ الحق وقبولَ العدل ومعاونةَ الناس. إنَّ عملَه إصلاحُ الدمائر، وإيقاظُ العواطف النبيلة في نفوس الأمة، وبناءُ الضمائر الحيّة، وتربية النفوس العالية في عملٍ خالص، وجهد متجرِّد، يرجو ثوابَ الله، ويروم نفعَ الناس."

(1) 0-المنطلق محمد الراشد

(2) 1 - مع الله - محمد الغزالي

(3) - صيد الخاطر -ابن الجوزي

(4) - الزمر73

(5) - فصلت33

(6) - علي مدني الخطيب صفات الخطبة الناجحة

(7) - فاطر32

(8) - آل عمران79

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت