الصفحة 601 من 733

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بعدم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر للخطيب حال الخطبة، بل إنها مستحبة، لقوة ما استدلوا به وخاصة ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مجرد فعل.

المطلب الثاني

ستر العورة وإزالة النجاسة

لم يتطرق كثير من الفقهاء - فيما اطلعت عليه - للكلام على اشتراط ستر العورة وإزالة النجاسة للخطيب حال الخطبة، ومنه الحنفية، والمالكية، ولعل ذلك عائد إلى وضوح الحكم فيه عندهم؛ لكونه يأخذ حكم الطهارة من الحدث الأكبر، وقد تقدم أنه سنة.

وأما عند الشافعية، والحنابلة فيجري في ذلك الخلاف الذي جرى في الطهارة من الحدث الأصغر في المطلب السابق، وهو كما يلي:

القول الأول: لا يشترط ستر العورة وإزالة النجاسة للخطيب حال الخطبة، بل يسنّ.

وهذا هو القول القديم للإمام الشافعي (1) وهو رواية عن الإمام أحمد، والمذهب عند أصحابه، وعليه أكثرهم (2) كما تقدم في الطهارة الصغرى، قال في الإنصاف:"وحكم ستر العورة وإزالة النجاسة حكم الطهارة الصغرى في الإجزاء وعدمه" (3) .

القول الثاني: يشترط ستر العورة وإزالة النجاسة للخطيب حال الخطبة.

وهذا هو القول الجديد للإمام الشافعي، والصحيح عند أصحابه (4) ورواية عن الإمام أحمد، واختارها بعض أصحابه (5) .

ولم يصرحوا بأدلة على ذلك، والظاهر أنهم يستدلون بما استدلوا به على اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر، فاكتفوا بذكرها هناك، والظاهر فيها رجحان السنية كما ظهر هناك، والله أعلم.

المطلب الثالث

التجمل (6)

وفيها مسألتان:

المسألة الأولى: لبس أحسن ثيابه.

المسألة الثانية: لون الثياب التي يتجمل بها.

المسألة الأول

لبس أحسن ثيابه

لا خلاف في استحباب لبس أحسن الثياب للجمعة كما ذكر في المغني (7) وقد ثبتت أحاديث كثيرة في ذلك منها:

1-ما رواه أبو سعيد وأبو هريرة - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: { من اغتسل يوم الجمعة، واستن، ومسّ من طيب إن كان عنده، ولبس أحسن ثيابه، ثم خرج حتى يأتي المسجد، ولم يتخط رقاب الناس، ثم ركع ما شاء الله أن يركع، وأنصت إذا خرج الإمام كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها } (8) (9) .

2-ما رواه أبو أيوب (10) - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: { من اغتسل يوم الجمعة، ومسّ من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه، ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد، ثم يركع إن بدا له، ولم يؤذ أحدا، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينهما } (11) (12) .

3-ما رواه عبد الله (13) بن سلام - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: { ما على أحدكم إن وجد أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته } (14) (15) .

(1) ينظر: المجموع 4/515 ، وروضة الطالبين 2/27.

(2) ينظر: الفروع 2/111 ، والإنصاف 2/391 - 393 ، وكشاف القناع 2/34.

(3) الإنصاف 2/393.

(4) ينظر: المجموع 4/515 ، وروضة الطالبين 2/27 ، ومغني المحتاج 1/288.

(5) ينظر: الفروع 2/111 ، والإنصاف 2/392 - 393.

(6) تعرضت لهذه المسألة مع أنها مما لا يختص بالخطيب ، لتأكيد أهل العلم عليها في حق الخطيب أكثر من غيره كما سيأتي.

(7) المغني 3/224.

(8) أبو داود الطهارة (343) ، أحمد (3/81) .

(9) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الطهارة - باب في الغسل يوم الجمعة 1/94 - 95 ، الحديث رقم (343) ، والإمام أحمد في مسنده 5/177 ، وقال النووي في المجموع 4/537:"رواه أحمد بن حنبل في مسنده وأبو داود في سننه وغيرهما بأسانيد حسنة".

(10) هو خالد بن زيد بن كُلَيب الأنصاري ، يكنى بأبي أيوب ، من كبار الصحابة ، شهد بدرا ، ونزل النبي حين قدم المدينة عنده ، مات غازيا الروم سنة خمسين ، وقيل بعدها. (ينظر: الإصابة 1/405 ، وتقريب التهذيب(1633) .

(11) أحمد (5/421) .

(12) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5/420 ، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الجمعة - باب فضل إنصات المأموم عند خروج الإمام. 3/138 ، الحديث رقم (1775) وقال الأرنؤوط في هامش زاد المعاد 1/381:"وإسناده حسن".

(13) هو عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ، ثم الأنصاري ، من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، يكنى بأبي يوسف ، حليف الخزرج ، قيل: كان اسمه الحصين فسماه النبي عبد الله ، أسلم أول ما قدم النبي المدينة وكان يهوديا ، روى عدة أحاديث ، ومات سنة 43 هـ. (ينظر: الإصابة 4/80 ، وأسد الغابة 3/176) .

(14) أبو داود الصلاة (1078) ، مالك النداء للصلاة (244) .

(15) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة - باب اللبس للجمعة 1/282 - 283 ، الحديث رقم (1078) ، وابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في الزينة 1/348 ، الحديث رقم (1095) ، وقال في الزوائد:"وإسناده صحيح ورجاله ثقات".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت