الصفحة 602 من 733

قال في المغني:"والإمام في هذا ونحوه آكد من غيره؛ لأنه المنظور إليه من بين الناس" (1) .

وقد نص الشافعية (2) والحنابلة (3) على أنه يسنّ له أن يعتم ويرتدي اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك.

ودليل الاعتمام: ما رواه عمرو بن حريث - رضي الله عنه - قال: { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس وعليه عمامة سوداء } (4) (5) .

ودليل الارتداء ببرد: ما رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: { كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - برد يلبسه في العيدين والجمعة } (6) .

ومع ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - في الاعتمام والارتداء أثناء الخطبة إلا أن هذا يحمل على أن هذه هي أحسن ثيابهم في وقتهم، وإلا فلا تلزم بعينها؛ لأن المقصود هو التجمل في الأحاديث التي تقدمت، ومن المعلوم أن لكل بلد ثيابا خاصة، ولكل زمان ثياب خاصة، تعتبر هي أحسن الثياب عند الناس فيه، والواقع شاهد بذلك. وأما أن يتخذ الخطيب لباسا معينا يختلف به عن الناس، ويلتزم به وينكر عليه لو تركه فهذا مما لا أصل له، قال ابن القيم (7) - رحمه الله - مبينا هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته ومنكرا لما يُتخذ من ذلك في وقته:"ولم يكن يلبس لباس الخطباء اليوم لا طرحة (8) ولا زيقا (9) واسعا (10) وقال في موضع آخر:"ولا طيلسان (11) ولا طرحة" (12) ."

المسألة الثانية لون الثياب التي يتجمل بها

المسألة الثانية

لون الثياب التي يتجمل بها

اختلف الفقهاء في لون الثياب التي يفضل للخطيب التجمل بها أثناء خطبة الجمعة، وذلك على قولين:

القول الأول: الأفضل له لبس البياض.

وبهذا قال الحنابلة (13) .

القول الثاني: يخير بين البياض والسواد.

وبهذا قال الحنفية (14) والشافعية (15) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول:

1-ما رواه سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - { البسوا ثياب البيض فإنها أطهر وأطيب } (16) (17) .

(1) المغني 3/230 ، ومثله قال في المهذب مع المجموع 4/537.

(2) ينظر: الحاوي: 3/54 ، والمجموع 4/538 ، وروضة الطالبين 2/45.

(3) ينظر: المغني 3/229 ، والمبدع 2/170 ، وكشاف القناع 2/42.

(4) مسلم الحج (1359) ، النسائي الزينة (5346) ، أبو داود اللباس (4077) ، ابن ماجه الجهاد (2821) ، أحمد (4/307) .

(5) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الجمعة - باب جواز دخول مكة بغير إحرام 2/990 ، الحديث رقم (1359) .

(6) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب ما يستحب من الارتداء ببرد 3/247.

(7) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي ، الدمشقي ، يكنى بأبي عبد الله ، ويعرف بـ"ابن قيم الجوزية"، تفقه على شيخ الإسلام ابن تيمية حتى صار من أبرز تلاميذه ، وامتحن وأوذي مرارا ، له مصنفات نفيسة في فنون متعددة منها: زاد المعاد ، وإعلام الموقعين ، وتوفي سنة 751 هـ. (ينظر: ذيل طبقات الحنابلة 2/447 ، والمقصد الأرشد 2/374) .

(8) قال في القاموس:"الطرحة: الطيلسان"، وسيأتي ، ولم أطلع على من فسرها بغير ذلك ، ولعل بينهما تشابها شديدا ففسر كل واحد بالآخر ، والله أعلم. (القاموس المحيط ، مادة"طرح"1/246) .

(9) قال في اللسان: الزيق: ما كُفَّ من جانب الجيب ، وزيق القميص ما أحاط بالعنق. (لسان العرب ، مادة"زيق"10/150 - 151) .

(10) زاد المعاد 1/189.

(11) قال في اللسان:"الطيلسان ضرب من الأكسية ، وهو فارسي معرب"، وقال في المصباح: الطيلسان من لباس العجم. (ينظر: لسان العرب ، مادة"طلس"6/125 ، والمصباح المنير ، مادة"طلس"1/375) .

(12) زاد العاد 1/429.

(13) ينظر: المغني 3/229 ، والفروع 2/104 ، والإنصاف 2/408 ، والمبدع 2/170 ، وكشاف القناع 2/42

(14) ينظر: مراقي الفلاح ص (103) .

(15) ينظر: الحاوي 3/54 ، والمجموع 4/538 ، وروضة الطالبين 2/45.

(16) الترمذي الأدب (2810) ، ابن ماجه اللباس (3567) .

(17) أخرجه النسائي في سننه في كتاب الجنائز - باب أي الكفن خير 4/35 ، الحديث رقم (1896) ، وفي كتاب الزينة - باب الأمر بلبس البيض من الثياب 8/205 ، الحديثان (5322 ، 5323) ، وابن ماجه في كتاب اللباس - باب البياض من الثياب 2/1181 ، الحديث (3067) ، والإمام أحمد في مسنده 5/10 ، 12 ، 17 ، 19 ، 21 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، في كتاب الجنائز - باب استحباب البياض في الكفن 3/402 - 403. والحاكم في مستدركه في كتاب الجنائز - باب الكفن في ثياب البيض أطهر وأطيب 1/354 - 355 ، وصححه ، ووافقه الذهبي في تلخيصه ، وصححه النووي في المجموع 4/537.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت