فهرس الكتاب
2-ما رواه ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: { خير ثيابكم البياض، ألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم } (1) (2) .
فهذا العموم يدخل فيه الخطيب حال خطبة الجمعة، بل هو أولى لما سبق من الحث على تحسين الثياب، ومن تحسينها بياضها.
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا على البياض بما استدل به أصحاب القول الأول.
واستدلوا على السواد بحديث عمرو بن حريث - - رضي الله عنه - { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب الناس وعليه عمامة سوداء } (3) (4) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:
الوجه الأول: أن ذلك في غير خطبة الجمعة ، بل في فتح مكة ؛ لما جاء في حديث جابر - رضي الله عنه - { أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام } (5) (6) .
قال ابن القيم بعد أن ذكر ذلك واستدل به على جواز لبس السواد أحيانا:"والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يلبسه لباسا راتبا، ولا كان شعاره في الأعياد والجمع والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد، بل كان لواؤه أبيض" (7) .
الوجه الثاني: أن فعله هذا لبيان الجواز جمعا بينه وبين أدلة القول الأول.
الترجيح:
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بأن الأفضل للخطيب في الجمعة لبس البياض، لعموم ما استدلوا به، وعموم أدلة استحباب لبس أحسن الثياب المتقدمة في الأمر الأول.
هذا ما لم يكن هناك حاجة تدعو إلى لبس غيره كبرد أو غيره، فإنه يلبس ما يدفع حاجته ويقيه من الضرر.
المطلب الرابع
أن تكون على منبر أو موضع عال
وفيها تمهيد، وثلاث مسائل:
التمهيد في تعريف المنبر أو ما يقوم مقامه.
المسألة الأولى: حكم اتخاذه.
المسأله الثانية: حكم الخطبة عليه.
المسألة الثالثة: مكانه، ومكان الوقوف عليه.
التمهيد: تعريف المنبر.
المنبر: مأخوذ من النبر، وهو الارتفاع.
قال في القاموس:"نبر الحرف ينبره: همزه ، والشيء رفعه، ومنه المنبر بكسر الميم" (8) .
وقال في اللسان:"النبر بالكلام الهمز، قال: وكل شيء رفع شيئا فقد نبره... والنبرة وسط النقرة، وكل شيء ارتفع من شيء نبره لانتباره... وكل ما رفعته فقد نبرته تنبره نبرا، وانتبر الجرح ارتفع وورم... والمنبر مرقاة الخاطب، سمي منبرا لارتفاعه وعلوه، وانتبر الأمير، ارتفع فوق المنبر" (9) .
وقال النووي:"المنبر - بكسر الميم - مشتق من النبر، وهو الارتفاع" (10) .
وقال في المصباح:"النبر في الكلام الهمز، وكل شيء رفع فقد نبر، ومنه المنبر لارتفاعه، وكسرت الميم على التشبيه بالآلة" (11) .
والمفهوم من جملة كلام الفقهاء أن المنبر هو ما يتخذ على يمين المحراب من مرتفع يتكون من درجات ليقوم عليه الخطيب أثناء الخطبة.
المسألة الأولى
حكم اتخاذ المنبر
أجمع الفقهاء على استحباب اتخاذ المنبر، وممن نقله النووي حيث قال في شرح مسلم:"... فيه استحباب اتخاذ المنبر، وهو سنة مجمع عليها" (12) .
وقال في المبدع:"واتخاذه سنة مجمع عليها" (13) .
الأدلة:
من الأدلة على ذلك ما يلي:
(1) أبو داود اللباس (4061) ، ابن ماجه اللباس (3566) ، أحمد (1/274) .
(2) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الطب - باب في الأمر بالكحل 4/8 ، الحديث رقم (3878) ، وفي كتاب اللباس - باب في البياض 4/51 ، الحديث رقم (4061) ، والترمذي في أبواب الجنائز - باب ما جاء ما يستحب من الأكقان 2/232 ، الحديث رقم (999) وقال:"حديث حسن صحيح"، وابن ماجه في كتاب الجنائز - باب ما جاء فيما يستحب في الكفن 1/473 ، الحديث رقم (1472) ، وفي كتاب اللباس - باب البياض من الثياب 2/1181 ، الحديث رقم (3566) ، والإمام أحمد في مسنده 1/247 ، 274 ، 328 ، 355 ، 363.
(3) مسلم الحج (1359) ، النسائي الزينة (5346) ، أبو داود اللباس (4077) ، ابن ماجه الجهاد (2821) ، أحمد (4/307) .
(4) تقدم تخريجه ص (186) .
(5) مسلم الحج (1358) ، الترمذي اللباس (1735) ، النسائي الزينة (5344) ، أبو داود اللباس (4076) ، ابن ماجه الجهاد (2822) ، أحمد (3/387) ، الدارمي المناسك (1939) .
(6) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج - باب جواز دخول مكة بغير إحرام 2/990 ، الحديث رقم (1358) .
(7) زاد المعاد 3/459.
(8) القاموس المحيط ، مادة"نبر"2/142.
(9) لسان العرب ، مادة"نبر"5/189.
(10) تحرير ألفاظ التنبيه المسمى بـ"لغة الفقه"ص (85) .
(11) المصباح المنير ، مادة"نبر"2/590.
(12) شرح مسلم 6/152.
(13) المبدع 2/161 ، ومثله قال البهوتي في كشاف القناع 2/35.