فهرس الكتاب
وقال في الفروع مبينا موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء من بعده:"وكان منبره - عليه السلام - ثلاث درجات، يقف على الثالثة التي تلي مكان استراحة، ثم وقف أبو بكر على الثانية، ثم عمر على الأولى تأدبا، ثم وقف عثمان مكان أبي بكر، ثم علي موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم زمن معاوية قلعه مروان وزاد فيه ست درج، فكان الخلفاء يرتقون ستا يقفون مكان عمر" (1) .
لم أعثر على تخريج هذا الفعل فيما بين يدي من كتب السنة، لكن ذكره النووي في المجموع شرحا لكلام صاحب المهذب دون ذكر لمن أخرجه فقال:"وأما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقف على الدرجة التي تلي المستراح فهذا الحديث موجود في أكثر النسخ وليس موجودا في بعض النسخ المقابلة بأصل المصنف، وهو حديث صحيح" (2) .
وقد ذكر بعض الشافعية إشكالا على الاستدلال بذلك، وهو أنه روي أن أبا بكر نزل عن موقف النبي - صلى الله عليه وسلم - درجة، وعمر درجة أخرى، وعثمان أخرى، ووقف علي - رضي الله عنه - في موقف النبي - صلى الله عليه وسلم -.
لكن أجابوا عنه بأن كلا منهم له قصد صحيح، وليس بعضهم حجة على بعض، والمختار هو موافقة النبي - - صلى الله عليه وسلم - -؛ لعموم الأمر بالاقتداء به (3) .
ثانيا: من المعقول:
أن وقوف الخطيب على المستراح أمكن له، فيستحب (4) .
وقد ذكر بعض الشافعية أنه يستحب للخطيب أن يقف في يمين المنبر إذا كان واسعا (5) .
المطلب الخامس
استقبال الخطيب للناس
وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: استقبال الناس واستدبار القبلة.
المسألة الثانية: أن يقصد تلقاء وجهه فلا يلتفت.
المسألة الأولى
استقبال الناس واستدبار القبلة
اختلف الفقهاء في حكم استقبال الخطيب الناس واستدبار القبلة أثناء الخطبة، وذلك على قولين:
القول الأول: أن ذلك سنة.
وبهذا قال الحنفية (6) وهو المشهور عند الشافعية (7) والصحيح من المذهب عند الحنابلة (8) .
القول الثاني: أنه واجب، فلو استدبرهم واستقبل القبلة لم يصح.
وبهذا قال بعض الشافعية (9) وبعض الحنابلة (10) .
القول الثالث: أنه واجب، لكن لو استدبرهم واستقبل القبلة أجزأ.
وبهذا قال بعض الشافعية (11) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
أولا: استدلوا على الاستحباب بأدلة من السنة، والمعقول:
فمن السنة:
فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ابن القيم - رحمه الله:"وكان وجهه - صلى الله عليه وسلم - قبلهم في وقت الخطبة" (12) ومما روي في ذلك ما يلي:
1-ما رواه الشعبي قال { كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه فقال: (السلام عليكم) ويحمد الله، ويثني عليه، ويقرأ سورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب، ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه } (13) .
الشاهد قوله:"استقبل الناس بوجهه".
ولكن هذا الحديث مرسل كما تقدم في تخريجه.
2-ما رواه ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - { كان إذا دنا من منبره سلم على من عند المنبر، ثم يصعد، فإذا استقبل الناس بوجهه سلم عليهم ثم قعد } (14) .
ولكن هذا ضعيف أيضا كما في تخريجه.
ومن المعقول:
(1) الفروع 2/118 ، كما ذكر ذلك أيضا المرداوي في الإنصاف 2/395 ، والبهوتي في كشاف القناع 2/35.
(2) المجموع 4/526.
(3) ينظر: المجموع 4/529 - 530 ، ومغني المحتاج 1/289.
(4) ينظر: المهذب مع المجموع 4/526.
(5) ينظر: المجموع 4/527 ، وروضة الطالبين 2/33 ، ومغني المحتاج 1/289.
(6) ينظر: بدائع الصنائع 1/263 ، والفتاوى الهندية 1/146 ، ومجمع الأنهر 1/168 ، ومراقي الفلاح ص (103) .
(7) ينظر: الحاوي 3/54 ، والوجيز 1/64 ، وروضة الطالبين 2/32 ، ومغني المحتاج 1/289 - 290.
(8) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/52 ، والمغني 3/178 ، والفروع 2/121 ، والمحرر 1/151 ، والمبدع 2/162 ، والإنصاف 2/396 ، وكشاف القناع 2/37.
(9) ينظر: روضة الطالبين 2/32 ، وفتح الباري 2/402.
(10) ينظر: الفروع 2/121 ، والإنصاف 2/396 ، والمبدع 2/163.
(11) ينظر: فتح الباري 2/402.
(12) ينظر: زاد المعاد 1/430.
(13) تقدم تخريجه ص (169) .
(14) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - جماع أبواب آداب الخطبة - باب الإمام يسلم على الناس إذا صعد المنبر قبل أن يجلس 3/205 ، وقال:"تفرد به عيسى به عبد الله بن الحكم بن النعمان بن بشير أبو موسى الأنصاري ، قال أبو سعد: قال أبو أحمد بن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه"، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 2/184:"رواه الطبراني في الأوسط وفيه عيسى بن عبد الله الأنصاري وهو ضعيف ، وذكره ابن حبان في الثقات". وذكره الرافعي في فتح العزيز 4/597 ، وقال ابن حجر في التلخيص بهامش المجموع 4/597: ابن عدي (يعني أخرجه) من حديث ابن عمر ، أورده في ترجمة عيسى الأنصاري ، وضعفه وكذا ضعفه به ابن حبان"."