فهرس الكتاب
قال في المغني:"قال ابن المنذر (1) هذا كالإجماع" (2) .
القول الثاني: يجب على الناس استقباله.
وهذا قول للمالكية، قال بعضهم: إنه المذهب، وقيل: المذهب الأول (3) .
القول الثالث: لا يسن للناس استقباله، وإنما يستقبلون القبلة.
وبهذا قال الحسن البصري، وسعيد (4) بن المسيب (5) .
الأدلة:
أدلة أصحاب القول الأول:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:
أولا: من السنة:
فعل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أثناء خطبته وإقراره السكوتي لذلك، قال ابن القيم - رحمه الله - بعد أن ذكر المنبر:"... وكان إذا جلس عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير الجمعة، أو خطب قائما في الجمعة استدار أصحابه إليه بوجوههم" (6) .
ومن الأحاديث الواردة في هذا الفعل ما يلي:
1-ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: { إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله... } (7) الحديث (8) .
وجه الدلالة: أن جلوسهم حوله - صلى الله عليه وسلم - لسماع كلامه، وهذا يقتضي نظرهم إليه غالبا (9) .
2-ما رواه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: { كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا } (10) (11) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه ضعيف الإسناد كما في تخريجه.
3-ما رواه عدي (12) بن ثابت عن أبيه عن جده قال: { كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم } (13) (14)
وهذا واضح الدلالة كالذي قبله، ولكن في ثبوته كلام كما في تخريجه.
ثانيا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم:
(1) هو محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري ، يكنى بأبي بكر ، نزل مكة ، يعد من كبار الشافعية ، قال عنه الذهبي: كان غاية في معرفة الاختلاف الدليل ، وكان مجتهدا لا يقلد أحدا ، له مصنفات منها: الإشراف على مذاهب أهل العلم ، والإجماع ، توفي سنة 319 هـ. (ينظر: طبقات الشافعية للسبكي 2/126 ، وطبقات الشافعية للإسنوي 2/197) .
(2) المغني 3/172 ، وقال ابن حجر في الفتح 2/402:"قال ابن المنذر: لا أعلم في ذلك خلافا بين العلماء".
(3) ينظر: مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه 2/166 ، والفواكه الدواني 1/310 ، عارضة الأحوذي 2/297 - 298.
(4) هو سعيد بن المسيب بن حزن القرشي ، المخزومي ، من كبار التابعين وفقهائهم ، قال فيه قتادة: ما رأيت أحدا قط أعلم بالحلال والحرام منه ، وثقه أبو زرعة ، وابن حبان ، وغيرهما ، وتوفي سنة 93 هـ ، وقيل 94 هـ. (ينظر: طبقات ابن سعد 2/379 ، وتهذيب التهذيب 4/84) .
(5) نقل ذلك عنهما ابن قدامة في المغني 3/172 ، ولم أعثر عليه فيما بين يدي من كتب الآثار.
(6) زاد المعاد 1/430.
(7) البخاري الجمعة (880) ، مسلم الزكاة (1052) ، النسائي الزكاة (2581) ، ابن ماجه الفتن (3995) ، أحمد (3/21) .
(8) تقدم تخريجه ص (85) .
(9) ينظر: فتح الباري 2/402.
(10) الترمذي الجمعة (509) .
(11) أخرجه الترمذي في سننه في أبواب الجمعة - باب ما جاء في استقبال الإمام إذا خطب 2/10 ، الحديث رقم (507) ، وقال عنه:"حديث منصور لا نعرفه إلا من حديث محمد بن الفضيل بن عطية ، ومحمد بن الفضيل بن عطية ذاهب الحديث عند أصحابنا. ولا يصح في هذا الباب عن النبي شيء"قال ابن حجر في الفتح 2/42:"يعني صريحا". وقال ابن حجر في التلخيص بهامش المجموع 4/601 عنه:"وفيه محمد بن الفضل بن عطية وهو ضعيف ، وقد تفرد به الدارقطني ، وابن عدي وغيرهما".
(12) هو عدي بن ثابت الأنصاري ، الكوفي ، وثقه الإمام أحمد ، والنسائي ، والعجلي ، وقد رمي بالتشيع ، قيل: كان إمام مسجد الشيعة وقاصهم ، مات سنة 116 هـ. (ينظر: سير أعلام النبلاء 5/188 ، وتهذيب التهذيب 7/165) .
(13) ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1136) .
(14) أخرجه ابن ماجه في سننه في كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في استقبال الإمام وهو يخطب 1/360 ، الحديث رقم (1136) ، وقال في الزوائد:"رجال إسناده ثقات لأنه مرسل"، وابن أبي شيبة مرسلا في كتاب الصلوات - باب من كان يستقبل الإمام يوم الجمعة 2/117 ، وقال ابن حجر في التلخيص بهامش المجموع 4/602:"ووالد عدي لا صحبة له إلا أن يراد بأبيه جده أبو أبيه فله صحبة على رأي بعض الحفاظ المتأخرين". وقال محقق شرح الزركشي 2/167 عما رواه ابن أبي شيبة:"بسند صحيح عن عدي بن ثابت مرسلا".