الصفحة 609 من 733

1-ما روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أنه كان إذا أخذ الإمام في الخطبة يستقبله بوجهه حتى يفرغ من خطبته (1) .

2-ما روي عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يفرغ من سبحته يوم الجمعة قبل خروج الإمام، فإذا خرج لم يقعد الإمام حتى يستقبله (2) .

3-ما روي عن عدي بن ثابت أنه كان يستقبل الإمام بوجهه إذا قام يخطب، فقيل له عن ذلك، فقال:"رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلونه" (3) .

4-وعن الزهري (4) أنه سئل عن استقبال الناس الإمام يوم الجمعة فقال:"كذا كانوا يفعلون" (5) .

وظاهره أنه يقصد الصحابة - رضي الله عنهم - فيكون بمعنى ما قبله، ويؤيده.

ثالثا: من المعقول:

1-أن الخطيب يعظ الناس، ولهذا استقبلهم بوجهه وترك استقبال القبلة، فيسن لهم أن يستقبلوه بوجوههم؛ لتظهر فائدة الوعظ، وتعظيم الذكر (6) .

2-أن الإسماع والاستماع للخطبة كليهما واجب، وهذا وإن كان يحصل مع عدم الاستقبال إلا أنه لا يتكامل إلا به، فيسن (7) .

3-أن الخطيب مقبل على الناس، فكان من الأدب إقبالهم عليه (8) .

دليل أصحاب القول الثاني:

أن الإمام ترك استقبال القبلة واستقبل الناس، ليكون أبلغ في وعظهم، فيجب عليهم أن يستقبلوه إجابة له وطاعة (9) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن القصد هو الوعظ كما جاء في مضمون الدليل، وهو الذي تجب على الناس إجابته وطاعة الإمام فيه، وهذا حاصل مع عدم الاستقبال، أما الاستقبال فهو وسيلة إلى حصول هذا القصد على وجه الكمال، والكمال ليس واجبا، فليس في عدم الاستقبال عدم إجابة وطاعة، لأنه غير مقصود لذاته.

دليل صاحبي القول الثالث:

لم أطلع على أدلة لهما، ولعله يستدل لهما بما يلي:

1-أن المقصود هو سماع الخطبة، وهذا حاصل مع عدم استقبال الخطيب.

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه وإن كان السماع يحصل مع عدم الاستقبال إلا أنه مع الاستقبال أكمل وأدعى للاستفادة، وأبعد عن الغفلة، فيسن.

2-أن سماع الخطبة عبادة، فاستقبال القبلة فيها أفضل كحال الدعاء، والذكر، وتلاوة القرآن الكريم.

مناقشة هذا الدليل: يناقش بالفرق، وذلك أن حال سماع الخطبة يكون الإنسان بحاجة إلى غيره وهو الخطيب للاستماع والاستفادة، بخلاف حال الدعاء والذكر والتلاوة فهو بحاجة إلى التفرغ لما هو مشتغل به.

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بسنية استقبال الخطيب أثناء الخطبة؛ لما استدلوا به، لكن إذا كان في استقباله مشقة وحرج أثناء ذلك لشدة زحام أو غيره كما هو الحال في كثير من المساجد الآن فلا بأس بتركه، قال في المبسوط:"وينبغي للرجل أن يستقبل الخطيب بوجهه إذا أخذ في الخطبة... ولكن الرسم الآن أن القوم يستقبلون القبلة، ولم يؤمروا بترك هذا لما يلحقهم من الحرج في تسوية الصفوف بعد فراغه، لكثرة الزحام إذا استقبلوه بوجوههم في حالة الخطبة" (10) .

المطلب السابع

السلام على الناس

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: السلام إذا دخل المسجد.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب يستقبل الإمام القوم. 1/221 ، مختصرا معلقا بصيغة الجزم ، والبيهقي بسنده بهذا اللفظ في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب يحول الناس وجوههم إلى الإمام ويسمعون الذكر 3/199 ، وقال ابن حجر في الفتح 2/402:"بإسناده صحيح"، وابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب من كان يستقبل الإمام يوم الجمعة 2/118 مختصرا.

(2) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب يستقبل الإمام القوم. 1/221 ، مختصرا معلقا بصيغة الجزم ، والبيهقي بسنده بهذا اللفظ في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب يحول وجوههم إلى الإمام ويسمعون الذكر 3/199 ، وعبد الرزاق في مصنفه في باب الجمعة - باب استقبال الناس 3/217 ، الأثر رقم (5391) مختصرا.

(3) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب يوم الجمعة - باب يحول الناس وجوههم إلى الإمام يسمعون الذكر 3/198 - 199 وفي لفظ له: هكذا كان أصحاب رسول الله يفعلون برسول الله فيكون حديثا مرسلا ، قال في الجوهر النقي بهامشه:"هذا مسند وليس بمرسل ، لأن الصحابة كلهم عدول فلا تضرهم الجهالة".

(4) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري ، القرشي ، يكنى بأبي بكر ، كان من أبرز حفاظ التابعين ، وفقهائهم ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: حفظ الزهري الإسلام نحوا من سبعين سنة ، توفي سنة 123هـ ، وقيل غير ذلك. (ينظر: طبقات ابن سعد 2/388 ، وتذكرة الحفاظ 1/108.

(5) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجمعة - باب من استقبل الناس 3/117 ، والأثر رقم (5390) .

(6) ينظر: المبسوط 2/30 ، والحاوي 3/47.

(7) ينظر: بدائع الصنائع 1/263 ، والمغني 3/173.

(8) ينظر: مواهب الجليل 2/166 ، والحاوي 3/47 ، والمجموع 4/528 ، ومغني المحتاج 1/287.

(9) ينظر: مواهب الجليل 2/166.

(10) المبسوط 2/30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت