الصفحة 638 من 733

وبهذا قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة (1) والمالكية (2) والشافعية (3) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه أكثرهم (4) .

القول الثاني: لا يجوز الكلام في الحالتين.

وبهذا قال الإمام أبو حنيفة (5) .

القول الثالث: يكره الكلام في الحالتين.

وبهذا قال بعض الحنابلة (6) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول:

أولا: استدلوا على جواز الكلام بعد صعود المنبر وقبل الشروع في الخطبة بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:

فمن السنة:

1-ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - { إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول، ومثل المُهَجِّر (7) كمثل الذي يهدي بدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشا، ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر } (8) .

قال في فتح الباري:"وفيه إشارة إلى أن منع الكلام من ابتداء الإمام في الخطبة؛ لأن الاستماع لا يتجه إلا إذا تكلم" (9) .

2-حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المشهور والذي تقدم مرارا: { إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت } (10) (11) .

وجه الدلالة: أن قوله: { والإمام يخطب } (12) جملة حالية تُخرِج ما قبل الخطبة من حين خروج الخطيب وما بعده إلى أن يشرع في الخطبة (13) وكذلك ما بعدها إلى إقامة الصلاة.

ومن آثار الصحابة - رضي الله عنهم:

ما رواه ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يصلون الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون، قال ثعلبة:"جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحد، قال ابن شهاب:"فخروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام" (14) ."

قال في المغني:"وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم" (15) بل عده في الحاوي إجماعا فعليا من الصحابة - رضي الله عنهم - على أن تحريم الكلام يبدأ ببدء الخطبة (16) .

ومن المعقول:

1-أن النهي عن الكلام إنما هو لأجل الإنصات واستماع الخطبة، فيقتصر على حالة الخطبة (17) .

2-أن ما قبل الشروع في الخطبة ليس فيه خطبة، فيباح الكلام فيه، أشبه ما قبل صعود المنبر (18) .

ثانيا: واستدلوا على جواز الكلام بعد الفراغ من الخطبة وقبل الشروع في الصلاة بالسنة، والمعقول:

فمن السنة:

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المتقدم قبل قليل: (إذا قلتَ لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت) (19) .

ووجه الدلالة: أن قوله: (والإمام يخطب) دليل على أن التحريم مقتصر على حال الخطبة، فبعد الفراغ منها لا يشمله التحريم كما تقدم.

ومن المعقول:

(1) ينظر: المبسوط 2/29 ، والهداية للمرغيناني 1/85 ، وبدائع الصنائع 1/264.

(2) ينظر: الإشراف 1/133 ، ومواهب الجليل 2/178 ، والفواكه الدواني 1/309.

(3) ينظر: الحاوي 3/43 ، والمجموع 4/523 ، وروضة الطالبين 2/28 ، ومغني المحتاج 1/287.

(4) ينظر: الهداية لأبي الخطاب 1/53 ، والمغني 3/199 ، والمستوعب 3/43 ، والفروع وتصحيحه بهامشه 2/124 ، والإنصاف 2/419.

(5) ينظر: المبسوط 2/29 ، وبدائع الصنائع 1/264 ، وتبيين الحقائق 1/323؛ وعبر بعضهم بالكراهة والظاهر أنه يقصد كراهة التحريم ، بدليل ما يذكرونه من أدلة.

(6) ينظر: الفروع وتصحيحه بهامشه 2/124 ، والإنصاف 2/419.

(7) التهجير: التبكير إلى كل شيء ، والمبادرة إليه ، والمُهَجِّر إلى الصلاة المبكر إليها. (ينظر: النهاية في غريب الحديث ، مادة"هجر"5/246) .

(8) تقدم تخريجه ص (67) بغير هذا اللفظ ، وقد أخرجه بهذا اللفظ البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الاستماع إلى الخطبة يوم الجمعة 1/223.

(9) ينظر: فتح الباري 2/407.

(10) البخاري الجمعة (892) ، مسلم الجمعة (851) ، الترمذي الجمعة (512) ، النسائي الجمعة (1402) ، أبو داود الصلاة (1112) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1110) ، أحمد (2/396) ، مالك النداء للصلاة (232) ، الدارمي الصلاة (1548) .

(11) تقدم تخريجه ص (93) .

(12) البخاري الجمعة (892) ، مسلم الجمعة (851) ، الترمذي الجمعة (512) ، النسائي الجمعة (1402) ، أبو داود الصلاة (1112) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1110) ، أحمد (2/272) ، مالك النداء للصلاة (232) ، الدارمي الصلاة (1548) .

(13) ينظر: فتح الباري 2/414 ، والإشراف للقاضي عبد الوهاب 1/133 ، وشرح النووي على صحيح مسلم 6/139 ، ونيل الأوطار 3/273 ، والمغني 3/200.

(14) تقدم تخريجه ص (295) .

(15) المغني 3/200.

(16) الحاوي 3/43.

(17) ينظر: المبسوط 2/30 ، وبدائع الصنائع 1/264 ، والإشراف للقاضي عبد الوهاب 1/133 ، والمغني 3/200.

(18) ينظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب 1/133.

(19) تقدم تخريجه ص (93) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت