فهرس الكتاب
الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بجواز الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - سرا عند ذكره في خطبة الجمعة؛ لقوة ما استدلوا به، ولما في ذلك من الجمع بين الأدلة التي ورد فيها الأمر بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند ذكره، والتي ورد فيها تحريم الكلام في خطبة الجمعة.
وأما رفع الصوت بها فغير مشروع، جاء في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية:"والسنة في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي عليه سرا، كالدعاء، أما رفع الصوت بها قدام بعض الخطباء فمكروه أو محرم اتفاقا" (1) .
الأمر الخامس
حكم التأمين على الدعاء والجهر به
لا إشكال في جواز التأمين على دعاء الخطيب في خطبة الجمعة، والجهر به عند من يقول بعدم حرمة الكلام حال الخطبة وهم الشافعية في القول الصحيح عندهم كما تقدم (2) ومن يقول بجواز الكلام حال الدعاء وهم الحنابلة في وجه عندهم (3) .
وأما من قال بتحريم الكلام حال الخطبة مطلقا فلم أطلع على قول لهم في ذلك إلا الحنابلة في الصحيح عندهم فإنهم قالوا: يسن التأمين سرا (4) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث جاء في الاختيارات:"والسنة في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي عليه سرا، كالدعاء" (5) .
فيتلخص في المطلب بناء على ما ظهر لي مما تقدم قولان:
الأول: يجوز التأمين سرا لا جهرا، وهو القول الصحيح عند الحنابلة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
الثاني: يجوز التأمين جهرا، وهو مقتضى قول الشافعية في الصحيح عندهم، ووجه عند الحنابلة.
الأدلة:
دليل أصحاب القول الأول:
أن الحاضر للخطبة يشغل غيره عن الاستماع إذا جهر بالتأمين، فيؤمّن سرا (6) .
وأما أصحاب القول الثاني فقد تقدمت أدلة الشافعية على قولهم باستحباب الإنصات للخطبة وعدم تحريم الكلام، ومناقشتها، وسيأتي دليل القائلين بجواز الكلام حال الدعاء من الحنابلة ومناقشته - إن شاء الله - (7) .
الترجيح:
هذه المسألة لم أطلع على أقوال صريحة فيها سوى قول الحنابلة، كما أنه ليس فيها أدلة واضحة، ولكن قول الحنابلة بالتأمين سرا قول وسط فيه إدراك لفضيلة التأمين على الدعاء، وعدم تشويش على السامعين ومخالفة للأمر بالإنصات، فهو الأظهر في المسألة كما تقدم في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم.
المسألة الثالثة
ما يستثنى من تحريم الكلام أو كراهته في خطبة الجمعة عند من يقول بهما
استثنى من قال من الفقهاء في المسألتين السابقتين بتحريم الكلام أو كراهته حال خطبة الجمعة للإمام والحاضر ما كان لأمر واجب ناجز، كتحذير ضرير من الوقوع في بئر، أو من يخاف عليه من نار، أو حية، أو حريق، أو نحوه مما يقتل أو يضر (8) .
الدليل:
أن التحذير من هذه الأشياء يجوز في نفس الصلاة مع فسادها به، ففي الخطبة أولى (9) .
كما يمكن الاستدلال لذلك بالقاعدة المشهورة"الضرورات تبيح المحظورات" (10) .
المطلب الثاني
وقت المنع من الكلام في الخطبة
المسألة الأولى حكم الكلام بعد صعود الخطيب المنبر وقبل الشروع في الخطبة وبعد الفراغ منها وقبل الشروع في الصلاة
تقدم في المطلب الأول بيان حكم الكلام أثناء كلام الإمام حال خطبة الجمعة، وأنه محرم على القول الراجح إلا في حالات معينة تم بيانها في موضعها، وهذا هو المحل الذي يقصده غالب الفقهاء بالتحريم عند كلامهم على الكلام حال الخطبة.
وهناك أحوال يلحقها بعضهم بذلك وحالات يخرجونها منه تتمثل في المسائل التالية:
المسألة الأولى: حكم الكلام بعد صعود الخطيب المنبر وقبل الشروع في الخطبة، وبعد الفراغ منها وقبل الشروع في الصلاة.
المسألة الثانية: حكم الكلام بين الخطبتين.
المسألة الثالثة: حكم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس.
المسألة الرابعة: حكم الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء.
المسألة الأولى
حكم الكلام بعد صعود الخطيب المنبر وقبل الشروع في الخطبة،
وبعد الفراغ منها وقبل الشروع في الصلاة.
اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: يجوز الكلام في الحالتين.
(1) الاختيارات ص (80) .
(2) ص (303) .
(3) ينظر: الفروع 2/125 ، والإنصاف 2/418.
(4) ينظر: الفروع 2/125 ، والإنصاف 2/418 ، وكشاف القناع 2/48 ، وشرح منتهى الإرادات 1/304.
(5) الاختيارات ص (80) .
(6) منتهى الإرادات 1/304.
(7) ص (357 - 361) .
(8) ينظر: المجموع 4/523 ، وروضة الطالبين 2/28 ، ومغني المحتاج 1/287 ، والمغني 3/198 ، والإنصاف 2/418 ، والمبدع 2/176 ، وكشاف القناع 2/47.
(9) ينظر: المغني 3/198؛ والمبدع 2/176 ، وكشاف القناع 2/47.
(10) تنظر في: الأشباه والنظائر لابن نجيم ص (85) ، والأشباه والنظائر للسيوطي ص (84) .