الصفحة 636 من 733

الوجه الأول: أن رد السلام إنما يكون فريضة إذا كان تحية، وفي حال الخطبة المسلم ممنوع من السلام، فلا يكون جوابه فرضا (1) .

الوجه الثاني: عدم التسليم بأن الاستماع للخطبة سنة، بل هو واجب كما تقدم.

2-أن رد السلام وتشميت العاطس واجب، فوجب الإتيان به في الخطبة، كتحذير الضرير (2) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه وإن كان الرد والتشميت واجبا فإنه لا يصل إلى مماثلة تحذير الضرير من الهلكة؛ لأن الضرر المترتب على ترك التحذير أعظم من الضرر المترتب على ترك واجب الرد والتشميت، فلا يصح القياس.

أدلة أصحاب القول الثالث:

أولا: استدلوا على التحريم على من يسمع بما استدل به أصحاب القول الأول.

ثانيا: واستدلوا على جواز الرد والتشميت لمن لا يسمع بما يلي:

أن الإنصات واجب، فلم يجز الكلام المانع منه من غير ضرورة للأمر بالإنصات، بخلاف من لم يسمع فإنه لم يؤمر بالإنصات، فله الرد والتشميت (3) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بأن من لم يسمع لم يؤمر بالإنصات، بل إن عموم الأدلة تشمله كما تقدم.

دليل أصحاب القول الرابع:

أن السلام قد وضعه المسلم في غير موضعه باختياره، فلم يستحق الرد عليه، والعاطس عطس بغير اختياره فلم يكن منسوبا إلى وضعه في غير موضعه، فاستحق التشميت (4) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن ليس المانع عدم الاستحقاق للاختيار، وإنما المانع هو عموم الأحاديث المانعة من الكلام في هذه الحال؛ لما يترتب عليه من ترك الإنصات والتشويش على السامعين.

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم رد السلام وتشميت العاطس في خطبة الجمعة، لقوة ما استدلوا به، وعدم استقامة أدلة الأقوال الأخرى.

وقد أفتى بعدم جواز رد السلام فيها فضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين - حفظه الله - (5) .

الأمر الرابع

حكم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكره الخطيب والجهر بها

اختلف الفقهاء في حكم صلاة المستمع على النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ذكره الخطيب في الخطبة، والجهر بها، وذلك على قولين:

القول الأول: تجوز الصلاة عليه سرا.

وهذا مروي عن أبي يوسف من الحنفية (6) وبه قال الحنابلة (7) وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (8) .

القول الثاني: لا تجوز الصلاة عليه.

وبهذا قال الحنفية، وهو ظاهر الرواية عندهم (9) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول:

1-أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - سرا لا يشغل عن سماع الخطبة، ففي فعله إحراز للفضيلتين: الصلاة والاستماع (10) .

2-أن الخطيب إذا قال: { - - - - - صلى الله عليه وسلم - - (( - رضي الله عنه - - - (( ( - - - - } - قرآن كريم ( - - رضي الله عنه - تم بحمد الله - - عليه السلام -( - قرآن كريم - - - ( ( مقدمة ( - فهرس - - رضي الله عنه -((11) (12) فهو يبلغ الحاضرين أمرا، فيجب عليهم امتثاله (13) .

دليل أصحاب القول الثاني:

1-أن حال الخطبة كحال الصلاة في المنع من الكلام، فكما أن الإمام لو قرأ قوله - تعالى: { - - - - - صلى الله عليه وسلم - - (( - رضي الله عنه - - - (( ( - - - - } - قرآن كريم ( - - رضي الله عنه - تم بحمد الله - - عليه السلام -( - قرآن كريم - - - ( ( مقدمة ( - فهرس - - رضي الله عنه -((14) (15) في صلاته لم يشتغل الحاضرون بالصلاة عليه، فكذلك إذا قرأها في الخطبة (16) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بأن حال الخطبة كحال الصلاة في المنع من الكلام، بل الخطبة أخف حيث يجوز فيها مخاطبة الإمام لحاجة، وما كان لضرورة من تحذير ضرير ونحوه، ولا يؤثر ذلك في صحتها، بخلاف الصلاة.

2-أن إحراز فضيلة الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يمكن في كل وقت، وإحراز ثواب سماع الخطبة يختص بهذه الحالة، فكان السماع أفضل (17) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن في الرد سرا جمعا بين الأمرين تحصيل فضيلة الصلاة والاستماع، وعدم التشويش على الحاضرين.

الترجيح:

(1) ينظر المبسوط 2/29.

(2) ينظر: المغني 3/199 ، والمبدع 2/176 ، وكشاف القناع 2/48.

(3) ينظر: المغني 3/199.

(4) ينظر: الحاوي 3/61.

(5) ينظر: فتاوى فضيلته 1/126 المنشورة ضمن سلسلة كتاب الدعوة رقم (4) .

(6) ينظر: المبسوط 2/29 ، وبدائع الصنائع 1/264.

(7) ينظر: الفروع 2/125 ، والإنصاف 2/418 ، والمبدع 2/176 ، وكشاف القناع 2/48.

(8) ينظر: الاختيارات ص (80) .

(9) ينظر: المبسوط 2/28 - 29 ، وبدائع الصنائع 1/264؛ والفتاوى الهندية 1/147.

(10) ينظر: بدائع الصنائع 1/264 ، وفتح القدير 2/38.

(11) سورة الأحزاب آية: 56.

(12) سورة الأحزاب جزء من الآية رقم (56) .

(13) ينظر: المبسوط 2/29.

(14) سورة الأحزاب آية: 56.

(15) سورة الأحزاب جزء من الآية رقم (56) .

(16) ينظر: المبسوط 2/29.

(17) ينظر: بدائع الصنائع 1/264.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت