الصفحة 635 من 733

2-ما رواه أُبَيُّ بن كعب - رضي الله عنه - قال: { قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة (تبارك) وهو قائم، فذكرنا بأيام الله، وأبو الدرداء، أو أبو ذر يغمزني، فقال: متى أُنزلت هذه السورة؟ فإني لم أسمعها إلا الآن، فأشار إليه أن اسكت، فلما انصرفوا قال: سألتُك متى أُنزلت هذه السورة فلم تخبرني، فقال: إنه ليس لك من صلاتك إلا ما لغوتَ، فذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك، وأخبره بالذي قال له أُبي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدق أُبي } (1) (2) .

وجه الدلالة: أن ما طلبه أبو الدرداء أو أبو ذر من أبي بن كعب - رضي الله عنهما - من تاريخ المنزل، فقد كان فرضا عليهم، ليعرفوا الناسخ من المنسوخ، وقد جعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اللغو في حالة الخطبة، فكذلك رد السلام وتشميت العاطس (3) .

ثانيا: من المعقول:

1-أن تشميت العاطس يترتب عليه ترك الاستماع المفروض والإنصات، والتشميت ليس بفرض، فلا يجوز ترك الفرض لأجله، وكذا رد السلام في هذه الحالة ليس بفرض، لأنه يرتكب بسلامه مأثما، فلا يجب الرد عليه كما في حالة الصلاة (4) .

2-أن السلام في حال الخطبة لم يقع تحية، فلا يستحق الرد (5) .

3-أن رد السلام مما يمكن تحصيله في كل حالة، أما سماع الخطبة فلا يتصور إلا في هذه الحالة، فكانت إقامته أحق، ونظيره ما قاله بعض الفقهاء من أن الطواف تطوعا بمكة في حق الآفاقي أفضل من صلاة التطوع، والصلاة في حق المكي أفضل من الطواف (6) .

واستدلوا على تحريمهما على من لم يسمع بما يلي:

أن وجوب الإنصات شامل لهم، فيكون المنع من رد السلام وتشميت العاطس ثابتا في حقهم، كالسامعين (7) .

أدلة أصحاب القول الثاني:

استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:

أولا: من السنة:

1-ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: { حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس } (8) (9) .

2-ما رواه البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: { أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنائز، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، وتشميت العاطس، ونصر المظلوم } (10) ... الحديث (11) .

وجه الدلالة من هذين الحديثين ونحوهما مما جاء في معناهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر برد السلام وتشميت العاطس، وهذا الأمر عام، فيشمل بعمومه الرد والتشميت حال خطبة الجمعة.

مناقشة هذا الاستدلال: يناقش بأن هذا محمول على حال غير الخطبة جمعا بين ذلك وبين ما ورد في تحريم الكلام حال الخطبة والأمر بالإنصات.

3-ما رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: { جاء رجل والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: قم فاركع } (12) (13) .

قال في فتح الباري:"واستدل به على جواز رد السلام وتشميت العاطس في حال الخطبة، لأن أمرهما أخف وزمنهما أقصر، ولا سيما رد السلام فإنه واجب" (14) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن هناك فرقا بين الصلاة والرد والتشميت، فالصلاة يفوت بها الاستماع على المصلى وحده، أما الرد والتشميت فيفوت بهما الاستماع على الراد والمشمت ومن حولهما من الحاضرين، فضررهما أبلغ.

ثانيا: من المعقول:

1-أن رد السلام فرض والاستماع سنة، فلا يترك الفرض لفعل سنة (15) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:

(1) ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1111) ، أحمد (5/143) .

(2) تقدم تخريجه ص (315) .

(3) ينظر: المبسوط 2/29.

(4) ينظر: بدائع الصنائع 1/264.

(5) المرجع السابق.

(6) المرجع السابق.

(7) ينظر: المغني 3/199.

(8) البخاري الجنائز (1183) ، مسلم السلام (2162) ، الترمذي الأدب (2737) ، النسائي الجنائز (1938) ، أبو داود الأدب (5030) ، ابن ماجه ما جاء في الجنائز (1435) ، أحمد (2/540) .

(9) أخرجه البخاري في صحيحه في الجنائز - باب الأمر باتباع الجنائز 2/70 ، ومسلم في كتاب السلام - باب من حق المسلم للمسلم رد السلام 4/1704 لحديث رقم (2162) .

(10) البخاري الأشربة (5312) ، مسلم اللباس والزينة (2066) ، الترمذي الأدب (2809) ، النسائي الجنائز (1939) ، ابن ماجه الكفارات (2115) ، أحمد (4/299) .

(11) أخرجه البخاري في صحيحه في الكتاب والباب السابقين.

(12) البخاري الجمعة (888) ، مسلم الجمعة (875) ، الترمذي الجمعة (510) ، النسائي الجمعة (1409) ، أبو داود الصلاة (1115) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1112) ، أحمد (3/297) .

(13) تقدم تخريجه ص (304) .

(14) ينظر: فتح الباري 2/412.

(15) ينظر المبسوط 2/29 ، وبدائع الصنائع 1/264.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت