الصفحة 634 من 733

ما روي عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه كان يقول في خطبته، قلَّما يدع ذلك إذا خطب:"إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع في الحظ مثل ما للسامع مع المنصت، فإذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف..." (1) الأثر.

وهذا واضح الدلالة.

ثالثا: من المعقول:

أن المأمور به في الخطبة شيئان الاستماع والإنصات، فمن قرب من الإمام فقد قدر عليهما، ومن بعد عنه فقد قدر على أحدهما وهو الإنصات، فيجب عليه أن يأتي بما قدر عليه (2) .

أدله أصحاب القول الثاني:

استدلوا بما استدلوا به في الأمر السابق على جواز الكلام في الخطبة للسامع، فقالوا: إذا كان يجوز مع السماع فمع عدمه من باب أولى.

وقد تقدمت مناقشته هناك.

ومن الأدلة أيضا: أن الإنصات ليس مقصودا لذاته، بل ليتوصل به إلى الاستماع، فإذا سقط عنه فرض الاستماع سقط عنه الإنصات أيضا (3) .

مناقشة هذا الدليل:

يناقش بأن الإنصات ليس للاستماع فقط، بل له ولعدم التشويش على غيره من الحاضرين ليستمعوا، فإذا سقط الاستماع لتعذره للبعد بقي التشويش على الحاضرين ممن يمكنهم الاستماع لقربهم من الخطيب.

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم الكلام في خطبة الجمعة لغير السامع لها، لقوة ما استدلوا به وخاصة عموم الأدلة، ولأنه يؤدي إلى التشويش، وقد يجر إلى كلام مكروه أو محرم في المسجد، كما قد يحصل معه إهانة له، ويُجَرِّئ السفهاء على ابتذاله.

الأمر الثالث

حكم رد السلام، وتشميت العاطس

اختلف الفقهاء في حكم رد السلام وتشميت العاطس في خطبة الجمعة إذا حصل موجبه، وذلك على أربعة أقوال:

القول الأول: يحرم.

وبهذا قال أكثر الحنفية (4) وبه قال المالكية (5) وهو الوجه الصحيح عند الشافعية (6) ورواية عن الإمام أحمد (7) .

القول الثاني: يجوز.

وبهذا قال أبو يوسف في رواية عنه (8) وهو وجه عند الشافعية (9) والرواية الصحيحة عن الإمام أحمد، والصحيح عند أصحابه (10) وبه قال ابن حزم (11) .

القول الثالث: يحرم على من يسمع الخطبة، ويجوز لمن لا يسمعها.

وبهذا قال الإمام أحمد في رواية عنه، وهو قول لبعض أصحابه (12) .

القول الرابع: لا يجوز رد السلام، ويجوز تشميت العاطس.

وهذا قول للشافعية (13) قال عنه في حلية العلماء:"وليس بشيء" (14) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول:

استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:

أولا: من السنة:

1-حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المشهور الذي تقدم مرارا، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - { إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت } (15) (16) .

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى الأمر بالمعروف حال الخطبة لغوا، مع أنه أمر مطلوب شرعا، وفيه فائدة متعدية للآخرين وهي منع التشويش عليهم، فكذلك رد السلام وتشميت العاطس، بل هو أولى.

(1) أخرجه البيهقي في سننه الكبرى في كتاب الجمعة - باب الإنصات للخطبة وإن لم يسمعها 3/220.

(2) ينظر: المبسوط 2/82 ، وبدائع الصنائع 1/264.

(3) ينظر: بدائع الصنائع 1/264.

(4) ينظر: المبسوط 2/28 ، وبدائع الصنائع 1/264 ، والفتاوى الهندية 1/147 ، وعبر بعضهم بالكراهة والظاهر أنه يعني كراهة التحريم.

(5) ينظر: بداية المجتهد 1/161 ، والقوانين الفقهية ص (86) .

(6) ينظر: المجموع 4/523 - 524 ، وروضة الطالبين 2/28 - 29 ، ومغني المحتاج 1/287 - 288.

(7) ينظر: الفروع 2/126 ، والإنصاف 2/418 ، والمبدع 2/176.

(8) ينظر: المبسوط 2/29 ، وبدائع الصنائع 1/264.

(9) ينظر: الحاوي 3/61 ، والمجموع 4/523 - 524 ، وروضة الطالبين 2/28 - 29.

(10) ينظر: المغني 3/198 - 199 ، والفروع 2/125 ، والمستوعب 3/42 ، والإنصاف 2/418 ، والمبدع 2/176 ، وكشاف القناع 2/48.

(11) ينظر: المحلى 5/62.

(12) ينظر: المغني 3/199 ، والفروع 2/126 ، والإنصاف 2/418.

(13) ينظر: الحاوي 3/61 ، وحلية العلماء 2/285 ، والمجموع 4/524 ، وروضة الطالبين 2/29.

(14) حلية العلماء 2/285.

(15) البخاري الجمعة (892) ، مسلم الجمعة (851) ، الترمذي الجمعة (512) ، النسائي الجمعة (1402) ، أبو داود الصلاة (1112) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1110) ، أحمد (2/272) ، مالك النداء للصلاة (232) ، الدارمي الصلاة (1548) .

(16) تقدم تخريجه ص (93) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت