الصفحة 633 من 733

1-حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - في قصة الأعرابي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - واستسقائه في يوم الجمعة المتقدم قبل قليل.

وجه الدلالة: أن الأعرابي تكلم أثناء الخطبة، ولم ينكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، ولو حرم عليه لأنكره (1) .

مناقشه هذا الدليل: نوقش بأن الاستدلال به على جواز الكلام في الخطبة مطلقا فيه نظر؛ لأنه استدلال بالأخص على الأعم، فيمكن أن يخص عموم المسألة بالإنصات بمثل ذلك كأمر عارض في مصلحة عامة، كما خص بعضهم رد السلام لوجوبه (2) .

2-ما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - { أن رجلا قام والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة فقال: يا رسول الله ! متى الساعة؟ فأعرض النبي - صلى الله عليه وسلم - وأومأ له بالسكوت، فلم يقبل، وأعاد الكلام، فلما كان في الثالثة قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - (ويحك، ما أعددت لها؟ قال: حب الله ورسوله، قال: إنك مع من أحببت } (3) .

ووجه الدلالة كالذي قبله.

ويناقش بما نوقش به الذي قبله.

ثانيا: من المعقول:

1-أنه لو كان الإنصات للخطبة واجبا كان إبلاغهما برفع الصوت واجبا، فلما لم يجب على الإمام إبلاغها لم يجب على المأموين الإنصات لها (4) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الجهر بها واجب على الإمام كما تقدم أما رفع الصوت فلم يجب دفعا للمشقة، ثم هذا يستقيم على القول بوجوب الإنصات مع عدم السماع، هذا مرجوح كما سيأتي - إن شاء الله -.

2-أن الخطبة عبادة لا يفسدها الكلام، فوجب أن لا يحرم فيها الكلام، كالطواف، والصيام.

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الكلام في الخطبة يفوت المقصود منها، وهو الاستماع والاتعاظ، بخلاف الطواف والصيام (5) .

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم الكلام على الحاضرين لخطبة الجمعة إلا مخاطبة الإمام لحاجة؛ لقوة ما استدلوا به، وجمعه بين الأحاديث الواردة في ذلك، وتحقيقه المقصود من الخطبة وهو الاتعاظ.

الأمر الثاني

حكم كلام الحاضر للخطبة إذا كان لا يسمعها (6)

اختلف الفقهاء في حكم الكلام للحاضر لخطبة الجمعة إذا لم يسمعها لبعد أو غيره، وذلك على قولين:

القول الأول: يحرم عليه الكلام.

وبهذا قال بعض الحنفية (7) وبه قال المالكية (8) وهو قول للشافعية (9) والمذهب عند الحنابلة وعليه أكثرهم (10) وبه قال ابن حزم (11) .

القول الثاني: يجوز له الكلام.

وبهذا قال بعض الحنفية (12) وهو القول الصحيح عند الشافعية (13) ورواية عن الإمام أحمد (14) .

الأدلة:

أدلة أصحاب القول الأول:

استدلوا بأدلة من السنة، وآثار الصحابة، والمعقول:

أولا: من السنة:

عموم ما تقدم في الأمر السابق من الأدلة الدالة على تحريم الكلام في خطبة الجمعة، ومن أبرزها حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - { إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت } (15) (16) وحديث عبد الله بن عمرو، فقالوا: إنها عامة تشمل من يسمع الخطبة ومن لا يسمعها (17) .

ثانيا: من آثار الصحابة - رضي الله عنهم:

(1) ينظر: مغني المحتاج 1/287 ، والمغني 3/195.

(2) ينظر: فتح الباري 2/415.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب عمر بن الخطاب 4/200 ، وفي موضع آخر ، ومسلم في كتاب البر والصلة - باب المرء مع من أحب 4/2032 ، الحديث رقم (2639) .

(4) ينظر: الحاوي 3/43.

(5) ينظر المرجع السابق.

(6) هذه المسألة كان لها وجود كثير في السابق قبل وجود مكبرات الصوت ، وأما الآن بعد وجود المكبرات - ولله الحمد - فقد قلت ، وإن كانت قد توجد عند انقطاع الكهرباء ونحو ذلك.

(7) ينظر: المبسوط 2/28 ، وبدائع الصنائع 1/264 ، والفتاوى الهندية 1/147.

(8) ينظر: الكافي لابن عبد البر 1/251 ، ومواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه 2/178 ، والمنتقى شرح الموطأ 1/188.

(9) ينظر: الحاوي 3/44 ، والمجموع 4/423 - 424 ، وروضة الطالبين 2/91.

(10) ينظر: المغني 3/196 ، والفروع 2/124 - 125 ، والإنصاف 2/417 ، والمبدع 2/175.

(11) ينظر: المحلى 5/61.

(12) ينظر: بدائع الصنائع 1/264.

(13) ينظر: المجموع 4/423 - 424 ، وروضة الطالبين 2/29.

(14) ينظر: الفروع 2/125 ، والإنصاف 2/417 ، والمبدع 2/175.

(15) البخاري الجمعة (892) ، مسلم الجمعة (851) ، الترمذي الجمعة (512) ، النسائي الجمعة (1402) ، أبو داود الصلاة (1112) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1110) ، أحمد (2/272) ، مالك النداء للصلاة (232) ، الدارمي الصلاة (1548) .

(16) تقدم تخريجه ص (93) .

(17) ينظر: المنتقى شرح الموطأ 1/188 ، والمغني 3/196.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت