فهرس الكتاب
الثاني: نفي أن تكون له جمعة، وقد علمنا أنها جمعة، فلما استعار له لفظ نفي الإجزاء وعدم الصحة دل على تأكيد منعه وشدة تحريمه (1) .
ومن آثار الصحابة - رضي الله عنهم:
1-ما روي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال:"كفى لغوا إذا صعد الإمام المنبر أن تقول لصاحبك أنصت" (2) .
وهذا الأثر واضح الدلالة كما تقدم في الأحاديث.
2-ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال للذي سأله عن كلامه مع صاحبه:"أما أنت فلا جمعة لك، وأما صاحبك فحمار" (3) .
وتوجيه الاستدلال كما تقدم في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.
ومن المعقول:
1-أن الإباحة للكلام وترك الإنصات أثناء الخطبة استخفاف بالخطيب، وإبطال لمعنى الخطبة، وإزالة لفائدتها، وذلك أوفى ما وصف بأنه محرم (4) .
2-أن الصلاة قربة وطاعة، وقد حرمت لأجل الخطبة، فلأن يحرم الكلام أولى (5) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن مبناه على القول بتحريم الصلاة أثناء الخطبة، وهذا قول مرجوح، لمخالفته للأحاديث على مشروعية تحية المسجد لمن دخل والإمام يخطب.
3-أنه لا يجوز أن يتعلق على الخاطب إظهار الخطبة إلا على الحاضرين وجوب استماعها، ألا ترى أنه لما حُظِرَ لشاهد كتمان الشهادة كان ذلك علما على إيجاب استماعها (6) .
4-أن الخطبتين بدل ركعتين، فحرم الكلام بينهما، كالصلاة (7) .
مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بأنهما بدل ركعتين؛ لعدم ثبوت ذلك كما تقدم (8) .
كما أن القياس لا يصح، لأن الصلاة تفسد بالكلام بخلاف الخطبة (9) .
ثانيا: واستدلوا على إباحة مخاطبة الإمام لحاجة بما يلي:
1-ما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: { أصابت الناس سنة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قَزَعة (10) فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيتُ المطر يتحادر على لحيته - صلى الله عليه وسلم - فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي، أو قال: غيره، فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ! تهدَّم البناء، وغرق المال فادع الله لنا، فرفع يده فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجَوْبة (11) وسال الوادي قناةُ (12) شهرا، ولم يجئ أحد، من ناحية إلا حَدَّثَ بالجود } (13) .
وهذا واضح الدلالة، وفي خطبتين.
2-ما رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: { جاء أعرابي والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب الناس يوم الجمعة فقال: أصليت يا فلان؛ قال: لا، قال: قم فاركع } (14) (15) .
قال النووي عنه برواياته المختلفة:"وفي هذه الأحاديث أيضا جواز الكلام في الخطبة لحاجة، وفيها جوازه للخطيب وغيره" (16) .
أدلة أصحاب القول الثاني:
استدلوا بأدلة من السنة، والمعقول:
أولا: من السنة:
(1) ينظر: الإشراف 1/132.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه في كتاب الصلوات - باب في الكلام إذا صعد المنبر وخطب 2/124 ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 2/186:"رواه الطبراني: في الكبير ، ورجاله رجال الصحيح"، وقال في نيل الأوطار 3/272 - 273:"قال العراقي: ورجاله ثقات محتج بهم في الصحيح ، قال: وهو إن كان موقوفا فمثله لا يقال من قبل الرأي ، فحكمه الرفع".
(3) أخرجه ابن أبي شيبة في الكتاب والباب السابقين 2/125 ، وابن حزم في المحلى 5/63.
(4) ينظر: المبسوط 2/28 ، والإشراف 1/132 - 133.
(5) ينظر: الإشراف 1/132.
(6) ينظر: الحاوي 3/42.
(7) ينظر: المجموع 4/525.
(8) ص (34 - 35) .
(9) ينظر: المجموع 4/525.
(10) قال النووي: هي بفتح القاف والزاي ، وهي القطعة من السحاب. (شرح صحيح مسلم 6/192) .
(11) قال النووي: هي بفتح الجيم وإسكان الواو وبالباء الموحدة ، وهي الفجوة ، ومعناه تقطع السحاب عن المدينة وصار مستديرًا حولها وهي خالية منه. (المرجع السابق 6/194) .
(12) قال النووي: قناة بفتح القاف اسم لواد من أودية المدينة ، وعليه زروع لهم. (المرجع السابق) .
(13) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الجمعة - باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة 1/224 بهذا اللفظ ، وفي مواضع آخر ، ومسلم في كتاب الاستسقاء - باب الدعاء في استسقاء 2/612 ، الحديث رقم (897) .
(14) البخاري الجمعة (888) ، مسلم الجمعة (875) ، الترمذي الجمعة (510) ، النسائي الجمعة (1409) ، أبو داود الصلاة (1115) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1112) ، أحمد (3/297) ، الدارمي الصلاة (1506) .
(15) تقدم تخريجه ص (304) .
(16) شرح صحيح مسلم 6/164.