الصفحة 640 من 733

وبهذا قال الإمام أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن من أصحابه (1) والمالكية (2) وهو قول للشافعية (3) ووجه عند الحنابلة (4) .

القول الثالث: يكره الكلام في هذه الحالة.

وهو وجه عند الحنابلة (5) .

الأدلة:

أدله أصحاب القول الأول:

استدلوا بالسنة، والمعقول:

أولا: من السنة:

حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المشهور: { إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت } (6) (7) .

وجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف المتكلم حال خطبة الإمام باللغو، وهذا لا ينطبق على حال جلوسه - أي الإمام - بين الخطبتين؛ لأنه لا يخطب، فيباح.

ثانيا: من المعقول:

أن الإمام بين الخطبتين غير خاطب ولا متكلم، فيباح الكلام، أشبه ما قبل الخطبة وما بعدها (8) .

دليل أصحاب القول الثاني:

أن الجلوس بين الخطبتين سكوت يسير في أثناء الخطبتين، فلا يجوز الكلام فيه، أشبه السكوت للتنفس (9) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأنه قياس مع الفارق، فالسكوت للتنفس أقل من السكوت بين الخطبتين في العادة، وليس فيه جلوس، وهو عارض لا يعلم به الحاضر إلا بعد فوات أكثره أو جميعه، بخلاف السكوت بين الخطبتين، فلا يصح القياس.

وأما أصحاب القول الثالث فلم أطلع على دليل لهم.

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بجواز الكلام بين الخطبتين؛ لقوة ما استدلوا به.

المسألة الثالثة

حكم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس

اختلف الفقهاء في حكم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس، وذلك على قولين:

القول الأول: يحرم الكلام في هذه الحالة.

وهذا هو القول المشهور عند الحنابلة (10) .

القول الثاني: يجوز الكلام في هذه الحالة.

وهذا احتمال عند الحنابلة (11) .

الأدلة:

دليل أصحاب القول الأول:

يمكن الاستدلال لهم بأن السكوت للتنفس سكوت عارض قليل، لا يقصد به فعل شيء مشروع، ولا الفصل بين أجزاء الخطبة، والخاطب في حاله يعد مستمرا في خطبته شرعا وعرفا وحكما، فيحرم الكلام، كما لو كان الخطيب يتكلم.

دليل أصحاب القول الثاني:

يمكن الاستدلال لهم بأن الخطيب في حال السكوت للتنفس ليس بمتكلم، فلا يجب الإنصات والاستماع؛ لعدم الموجب، كما هو الحال قبل الخطبة، وبعدها.

مناقشة هذا الدليل: يناقش بأن الخطيب وإن كان لا يتكلم في حال التنفس إلا أنه في حكم المتكلم، لأنه لا يقصد السكوت باختياره، وإنما هو مجبر على السكوت العارض، وأما القياس على ما قبل الخطبة وبعد الفراغ منها فهو قياس مع الفارق؛ لأنه قبلها لم يشرع فيها، وبعدها قد فرغ، ولا يعد خاطبا في الحالين لا حقيقة ولا حكما، بخلاف حال السكوت للتنفس كما تقدم.

الترجيح: الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم الكلام إذا سكت الخطيب للتنفس، لما ذكرت من الاستدلال.

المسألة الرابعة

حكم الكلام إذا شرع الخطيب في الدعاء

تقدم الكلام على مشروعية الدعاء في خطبة الجمعة، وإذا قيل بمشروعيته فدعا الخطيب فهل ينتهي وقت تحريم الكلام، فيجوز، أم لا، فيحرم كسائر أجزاء الخطبة؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأول: يحرم الكلام في حال الدعاء مطلقا.

وهذا هو الظاهر من قول الحنفية، والمالكية، وأحد القولين للشافعية، حيث قالوا بتحريم الكلام على الحاضر حال الخطبة، ولم يستثنوا شيئا منها كما تقدم (12) .

وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (13) .

القول الثاني: يجوز الكلام في حال الدعاء مطلقا.

وهذا هو الظاهر من القول الصحيح عند الشافعية، حيث قالوا باستحباب السكوت حال الخطبة كما تقدم (14) .

وهو وجه عند الحنابلة (15) .

(1) ينظر: المبسوط 2/29 ، وبدائع الصنائع 1/264 ، ومراقي الفلاح ص (104) .

(2) ينظر: الفواكه الدواني 1/209 ، مواهب الجليل والتاج والإكليل بهامشه 2/178 ، 179 ، والمنتقى شرح الموطأ 1/188.

(3) ينظر: المجموع 4/523 ، وروضة الطالبين 2/28.

(4) ينظر: المغني 3/200 وذكره احتمالا ، والفروع وتصحيحه بهامشه 2/124 - 125 ، والإنصاف 2/417 ، والمبدع 2/176.

(5) ينظر: الفروع وتصحيحه 2/124 - 125؛ والإنصاف 2/417 ، والمبدع 2/176.

(6) البخاري الجمعة (892) ، مسلم الجمعة (851) ، الترمذي الجمعة (512) ، النسائي الجمعة (1402) ، أبو داود الصلاة (1112) ، ابن ماجه إقامة الصلاة والسنة فيها (1110) ، أحمد (2/272) ، مالك النداء للصلاة (232) ، الدارمي الصلاة (1548) .

(7) تقدم تخريجه ص (93) .

(8) ينظر: المغني 3/200.

(9) ينظر: المغني 3/200.

(10) ينظر: الفروع 2/124 ، والإنصاف 2/418.

(11) ينظر: المرجعان السابقان.

(12) ص (302 - 303) .

(13) ينظر: المغني 3/201 ، والفروع 2/125 ، والإنصاف 2/418 ، والمبدع 2/175 - 176.

(14) ص (303) .

(15) ينظر: المغني 3/200 ، والفروع 2/125 ، والإنصاف 2/418 ، والمبدع 2/176 ، وكشاف القناع 2/48

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت