الصفحة 641 من 733

القول الثالث: يجوز إذا كان الدعاء غير مشروع، ويحرم إذا كان مشروعا.

وهذا احتمال عند الحنابلة (1) .

الأدلة:

دليل أصحاب القول الأول:

أن الدعاء تابع للخطبة، فيثبت له ما ثبت لها، ومن ذلك تحريم الكلام، كالتطويل في الموعظة (2) .

دليل أصحاب القول الثاني:

أن الخطيب إذا شرع في الدعاء فقد فرغ من الخطبة وشرع في غيرها، فيجوز الكلام، أشبه ما لو نزل (3) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش بعدم التسليم بفراغ الإمام من الخطبة بشروعه في الدعاء، بل لا يزال في الخطبة ويطلق عليه أنه يخطب، وأما القياس على ما بعد النزول فهو قياس مع الفارق، فما بعد النزول لا يسمى خطيبا، وينزل من المنبر ويشرع في الصلاة، بخلاف حال الدعاء فإنه يسمى خطيبا، ولا يزال قائما على المنبر يتكلم.

دليل أصحاب القول الثالث:

استدلوا على التحريم إذا كان الدعاء مشروعا بما استدل به أصحاب القول الأول.

واستدلوا على الجواز إذا كان الدعاء غير مشروع بأن الدعاء في هذه الحالة لا حرمة له، فلا يجب الإنصات له (4) .

مناقشة هذا الدليل: يناقش من وجهين:

الوجه الأول: أن عموم الأدلة الدالة على تحريم الكلام لم تفرق بين كلام وكلام، فتبقى على العموم.

الوجه الثاني: أن المشروعية وعدمها مما تختلف فيها الآراء والاجتهادات، فقد يرى الحاضر أن ما يدعو به الإمام ليس بمشروع ويرى غيره أنه مشروع، بل واجب، ويكون الحق مع الإمام، فيقع في المحرم ويشوش على من يرى أنه مشروع.

الترجيح:

الذي يظهر رجحانه في هذه المسألة - والله أعلم بالصواب - هو القول الأول القائل بتحريم الكلام حال دعاء الخطيب مطلقا، لقوة ما استدلوا به، ولعموم الأدلة الدالة على تحريم الكلام على الحاضر حال الخطبة، فهي لم تفرق بين الدعاء وغيره، وبين المشروع وغيره، خاصة وأن الخطيب لا يمكن أن يدعو بشيء مجمع على عدم مشروعيته، فهذا بعيد جدا، بل قد يدعو بشيء مختلف في مشروعيته.

المبحث السابع

الدق بالسيف على المنبر

تقدم في مسألة اعتماد الخطيب على قوس أو عصا أو سيف بيان عدم مشروعية الاعتماد على السيف، وأنه لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (5) .

وعلى قول من قال بمشروعيته فإنه لا يشرع الدق به على المنبر، بل قالوا: إنه بدعة (6) .

قال النووي:"يكره في الخطبة أشياء، منها ما يفعله بعض جهلة الخطباء من الدق بالسيف على درج المنبر في صعوده، وهذا باطل لا أصل له، وبدعة قبيحة" (7) .

الدليل:

ظاهر كلامهم عدم ورود الدليل على مشروعيته، والعبادات توقيفية، وبناء عليه يستدل لهم بعموم حديث عائشة - رضي الله عنها - المشهور: { من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد } (8) (9) .

وهذا العمل لا أعلم له وجودا في وقتنا الحاضر، وقد ذكرته استكمالا للبحث، ولذكر السابقين له.

المبحث الثامن

إشارة الخطيب باليد أثناء الخطبة

قد يتحمس الخطيب أثناء إلقاء الخطبة، ويدفعه مضمون الكلام إلى الانفعال، فيدفعه ذلك إلى الإشارة باليد تعبيرا عما يتكلم عنه، وقد ذكر بعض الفقهاء أن ذلك غير مشروع، وإنما المشروع الإشارة بالإصبع (10) بل صرح بعض أهل العلم بأنه - أي رفع اليد - بدعة، وهذا إن كان بقصد، فإن كان بدون قصد فلا مؤاخذة فيه (11) .

الدليل على عدم المشروعية:

(1) ينظر: المغني 3/201 ، والإنصاف 2/418 ، والمبدع 2/176.

(2) ينظر: المغني 3/201.

(3) ينظر: المغني 3/200.

(4) ينظر: المغني 3/201.

(5) ص (238 - 241) .

(6) ينظر: المجموع 4/529 ، وروضة الطالبين 2/32 ، ومغني المحتاج 1/290 ، وتنبيه الغافلين لابن النحاس ص (268) ، والفروع 2/122 ، وسبل السلام 2/59.

(7) المجموع 4/529.

(8) البخاري الصلح (2550) ، مسلم الأقضية (1718) ، أبو داود السنة (4606) ، ابن ماجه المقدمة (14) ، أحمد (6/256) .

(9) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب البيوع - باب النجش ومن قال: لا يجوز ذلك البيع 3/24 ، وفي مواضع أخر معلقا بصيغة الجزم ، ووصله مسلم في كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور 3/1244 ، وله ألفاظ أخرى في الصحيحين وغيرهما.

(10) ينظر: روضة الطالبين 2/33 ، وكشاف القناع 2/36.

(11) ينظر: تنبيه الغافلين لابن النحاس ص (268) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت