أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لُعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا ، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم؟ .. أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله ( في رحالكم؟ ، فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرةُ لكنت امرأً من الأنصار ، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكتُ شعب الأنصار .. اللهم ارحم الأنصار ، وأبناءَ الأنصار وأبناءَ أبناءِ الأنصار ) ) .
الله اكبر .. بهذه الكلمات اليسيرة هيج النبي ( مشاعر الأنصار ، ومحى كل ما في قلوبهم من الوجد والانكسار .
إنها كلمات.. نعم كلمات ، لكنها تخرج من فمه الشريف قذائف وبراكين ، لتقلب الموازين ، وتسحر المخاطبين .. فماذا كانت النتيجة ؟
يقول الراوي (في بيان حال الأنصار بعد هذه الخطبة) : فبكى القوم حتى أَخْضَلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قِسمًا وحظًا . والحديث رواه أحمد بإسناد حسن . (1)
هذه الخطبة البليغة لسيد الخطباء ( ، هي خير ما نستفتح به الكلام عن هذا الموضوع .. افتتاحية اشتملت على إثارة الانتباه بالسؤال(ما قالة بلغتني عنكم؟) ، ثم استفهام تقريري (ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله) ، ثم مضمون بليغ يلامس القلوب (أوجدتم في أنفسكم في لُعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قومًا ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم) ، ثم خاتمة بدعاء صادق يأسر النفوس (اللهم ارحم الانصار وأيناء الأنصار) .
موضوعنا أيها الأحبة هو: (فن الإعداد والإلقاء) .
وإذا كنا نتحدث عن الإلقاء والخطابة فإننا نتحدث عن نعمة من أعظم نعم الله علينا .
اللسان عظيم الشان .. وهو ترجمان الجنان .. كم من لسان كان أحد من السنان .. وكم من بيانٍ ساحر كان أشد من سحر الساحر .. وصدق الشاعر:
ولسانٌ صيرفيٌ صارمٌ ... ... كذباب السيف ما مس قطعْ
سحر هاروت وماروت ولو ... كلم الصخر بحق لانصدعْ
هل تأملت يومًا هذا الصوت الذي يخرج من جوفك؟ .. هل تأملت أوتارَه ومخارجَ حروفه من حلقك؟