وإذا كان حسن الصلة بالله مطلبا ضروريًّا لكل مسلم، فكيف يكون حكمها في شأن الداعية؟
إن الدعاة الذين يكرسون أوقاتهم لله، ولدفع الناس إلى سبيله وصفِّهم في طريقه لا بد أن يكون شعورهم بالله أعمق، وارتباطهم به أوثق، وشغلهم به أدوم، ورقابتهم له أقوى وأوضح.
وهذه الصلة تشمل في موكبها أرقى ما في الحياة، وأهم أسباب النجاة؛ ولهذا حقٌّ على الدعاة ألا يهنوا في الحياة، وألا يهونوا، وألا يعدلوا بنسبتهم إلى الله شيئا، وأن ينظروا إلى الحياة على أنهم أكبر منها، وأن تغلب رؤيتهم لله كل ما يملأ العين في زحام الأحياء وتكاثرهم (1)
6-روحانية الخطيب
الخطيب الناجح في سيره لإعلاء كلمة الله ، وبيان شرعه ونشر سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأمره الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر ، يمضي ذلك الداعية وقد وطنَّ نفسه على الجادة، وجاهدها على هوى المادَّة ، وعلمها أخلاقها ونقاها من أدرانها ، وأدبها فأحسن تأديبها على منهاج النبيين وسنة سيد المرسلين وطريقة السلف ومن بعدهم من الخلف الصالحين المصلحين .
"فيغدوا صادق النية ، شامخ الهمة ، عظيم العزيمة، قد أحاط نفسه بمراقبة الحكيم العليم ، وحصر همه أن يرضى عنه العزيز الرحيم ، ورطب لسانه بذكر الملك الكريم ، وملئ قلبه حب رب العالمين" (2) .
يبذل من وقته وماله وصحته لدعوته ما يرجوه من الأجر والثواب
ترى عينيه أشواكًا من الصعاب ؛ فيراها فؤاده أزهارًا كأنما قدمت للأحباب
تمتلئ أذنه بسيلٍ من كلمات السباب أو الشتائم أوسوء العتاب ؛ فيرجع صداها نسماتٍ كلها رضى واحتساب ..
يدعو ربه خيفةً وتضرعا أن يُيَسِّر له إلقاء تلك الكلمة ، أو نشر تلك الورقة ، أو تعليق تلك الصحيفة ، ويزيد من ترطيب لسانه دوامه تلاوة (( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي ) ). (3)
حتى في أصغر الأمور لا يهمل ولا يتكاسل عن طلب العون والمدد من مالك الملك عزوجل ،وقد قرأ أن السلف رضوان الله عليهم كانوا يسألون كل شئ حتى الملح لطعامهم !
فيسأله أن يُيَسِّر له وسيلة النقل لتلك القرية ، أو آلة النسخ لتلك المطوية ، أو ذلك المال البسيط لشراء ما يعينه على دعوته من أشرطة أو كتب أو نحوها .
حتى إذا أقبل على ذلك العمل الدعوي ، كان كالظمآن الواجد للماء ، وكالمسافر المقبل على أحبابه ، وكالأب المسرور بقدوم ابنه ، ولله درها من لذة وما أعظمها من متعة ، ذلك الحب المتدفق من قلبه لمدعويه ، لا يريد منهم والله لا درهما ولا دينارًا ، ولا أن يشكروه سرا أو جهارا ، ولا أن يثنوا عليه ولا أن يعظموا شأنه كان حاضرًا بينهم أو غائبا عنهم ، بل لسان حاله: (( وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ) (4)
ولأنه يعلم علم اليقين أن ثنائهم وشكرهم لهم لا ينفعه في خريف الحسرة ، فحمدهم لهم وذمُّهم له سواء ، وإعطائهم حقه ومغطهم إياه سواءٌ أيضا ، قال الحسن رحمه الله:"رحم الله رجلًا لم يغره كثرة ما يرى من الناس ، ابن آدم ؛ إنك تموت وحدك ، وتدخل القبر وحدك ، وتُبعث وحدك ، وتُحاسب وحدك".
وهو مع حبه العظيم لمدعويه رؤوف رحيم بهم يدعوا لهم بالصلاح والرشاد، سهلٌ كلامه ، صادقٌ مزحه ، حسن مظهره ، جميل تعامله ، مكظوم غيضه ، معهود صدقه،مكبوت غضبه، محمودة صحبته ، لطيفة دعابته ، مباركة عشرته ، مبثوث خيره ، كثير عطائه،يتواضع للصغير ، يوقرالكبير ، يعفو عن الزلات ، ويتغاضى عن الهفوات .
وحال أن يقابلهم بوجهه لا ينفك أن يتمتم:"اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون"فهو يعلم عظيم ستر الله عليه ، وكبير فضله عليه إذ أثنى لديه الركب وأنصت له الآذان ،وولى شطره الوجوه والقلوب ؟! وهو المقصر في حق الله ، المفرط في الأمور والواجبات ،الواقع في المعاصي والزلات .
حتى في أثناء حديثه معهم يراقب تلك النفس التي عالج نيتها أحد السلف أربعين سنة ؟! فقد تخلد بطبيعهتا الإنسانية إلى العجب وحب الظهور والبحث عن المحمدة والسمعة، فتمنق تلك الكلمات وتزين تلك العبارات وتعلي صوتًا كان المناسب خفضه ، وتستطرد وتتوسع في حديثٍ كان الأولى اختصاره ، ومرد ذلك كله الغفلة عن مراقبة تلك النفس وهي تجول وتصول في ساحة الدعوة ،
قال ابن القيم رحمه الله:"لا شيء أفسد على الأعمال من العجب ورؤية النفس ، ولا شيء أصلح لها من شهود العبد منَّة الله وتوفيقه والإستعانة به والإفتقار إليه وإخلاص العمل له".
(1) - مع الله الغزالي
(2) -أبو عمار الاسيف -موقع إ سلاميات
(3) -طه 24-25
(4) -الشعراء 109