حتى إذا انتهى من عمله ذاك لزمت جوارحه حمد الله أن هيئ له ذلك العمل ، ويسر له عمله ،وأنه عزوجل أعزّه بفعل هذه الطاعة ، في الوقت الذي يذل غيره بالمعصية .كما لا ينسى من شدة محاسبته لنفسه أن يتعوذ في سائر يوم عمله ذاك، من خزي الرياء ومفسدة السمعة وفساد العجب ، وإن ذكرت نفسه ذلك العمل أسكتها وألجمها بأنها تلك العاصية المقصرة
ويمل الملل أن يجد إليه سبيلًا في دعائه وتضرعه لربه أن يتقبل من ذلك العمل وأن يلبسه حلة الإخلاص وصفاء النية وجميل المقصد لأنه لا يعلم أُقبل ذلك العمل أم لا وقد قال أحد السلف رحمهم الله"لا تثق بكثرة عملك فإنك لا تدري أيُقبل عنك أم لا ؟! إن عملك مُغيبٌ عنك كله"، ويبقى كاتمًا لذلك العمل ، كما يكتم سيئاته .
ومع هذا كله يتهم نفسه مرارًا وتكرار أنها مقصرة لم تحسن العمل كما ينبغي ، وأنه كان بإمكانها أن تزيد من إتقانها لذلك العمل حتى تحصل على محبة ربها .
تلك بعض معالم روحانية الخطيب والداعية ، لا يجدها وربي إلا من وضع الإخلاص نُصب عينيه ، وإتقان العمل وعمل المستحيل لهذه الدعوة من أولويات حياته ، عندها سيجد أنه من تلقاء نفسه قد أصبح كالعاشق لهذه الدعوة لا لشيء ..وإنما لأنه حبيب الله
7-الله الله في القدوة
فالناس ينظرون إلى سلوك الخطيب، ويدققون النظر فيه، ولذا ينبغي أن تتطابق أفعاله مع أقواله، فالتزام الخطيب بأحكام الإسلام بوجه عام، وتطبيق ما يدعو إليه في خطبته، يجعل كلامه مقبولًا عند المستمعين، أما مخالفة العمل للقول، فإنه يجعل المستمعين لا يثقون به ولا بكلامه.
قال الله تعالى: (( أتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) (1)
ويقول أيضًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) (2)
وأسوتنا هو محمد صلى الله عليه وسلم
فقد كان صلى الله عليه وسلم عابدًا متحنثًا ، وقائدًا فذًا ، شيَّد أمَّةً من الفُتات المتناثر ، ورجل حرب يضع الخطط ، ويقود الجيوش ، وأبًا عطوفًا ، وزوجًا ، تحققت فيه المودة ، والرحمة ، والسكن ، وصديقًا حميمًا ، وقريبًا كريمًا ، وجارًا تشغله هموم جيرانه ، وحاكمًا تملأ نفسه مشاعر محكوميه يمنحهم من مودته ، وعطفه ما يجعلهم يفتدونه بأنفسهم ، ومع هذا كله فهو قائم على أعظم دعوة شهدتها الأرض ، الدعوة التي حققت للإنسان وجوده الكامل ، وتغلغلت في كيانه كله ، ورأى الناس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تتمثل فيه هذه الصفات الكريمة كلها ، فصدقوا تلك المبادئ التي جاء بها كلها ، ورأوها متمثلة فيه ، ولم يقرؤوها في كتاب جامد ، بل رأوها في بشر متحرك ، فتحركت لها نفوسهم ، وهفت لها مشاعرهم ، وحاولوا أن يقتبسوا قبسات من الرسول الكريم ، كلٍّ بقدر ما يُطيق فكان أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل ، وكان هاديًا ومربيًا بسلوكه الشخصي ، قبل أن يكون بالكلم الطيب الذي ينطق به .
ولأن القدوة هي أعظم وسائل التربية ذلك ، لأن دعوة المترف إلى التقشف دعوة ساقطة ، ودعوة الكذوب إلى الصدق دعوة مضحكة ودعوة المنحرف إلى الاستقامة دعوة مخجلة ، لذلك كانت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله ، وفضائله ، ومكارمه قدوةً صالحة ، وأسوة حسنة ، ومثلًا يُحتذى ، وهي ليست للإعجاب السلبي ، ولا للتأمل التجريدي ، ولكنها وُجدت فيه لنحققها في ذوات أنفسنا ، كل بقدر ما يستطيع .
وقد ورد في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ أن
(( يا معاذ أوصيك بتقوى الله ، وصدق الحديث ، والوفاء بالعهد ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ، وحفظ الجار ، ورحمة اليتيم ، ولين الكلام ، وبذل السلام ، وحسن العمل ، وقصر الأمل ، ولزوم الإيمان ، والتفقه في القرآن ، وحب الآخرة والجزع من الحساب ، وخفض الجناح ، وأنهاك أن تَسُبَّ حكيمًا ، أو تكذب صادقًا ، أو تُطيع آثمًا ، أو تعصي إمامًا عادلًا ، أو تُفسد أرضًا .. وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر ، وشجر ، ومدر ، وأن تُحدث لكل ذنب توبة ، السر بالسر ، والعلانية بالعلانية ) ) (3) .
يستطيع الإنسان أن يكون عالمًا جهبذًا في الطب ، أو العلوم ، أو الهندسة من دون أن تتطلب هذه العلوم ممن يتعلمها قيدًا سلوكيًا ، ولا يُفسد حقائقها أن يتبع النابغ فيها هوى نفسه ، في حياته الخاصة ، إلا علم الدين ، فإنك إن كنت من المتدينين المخلصين ، أو من علمائه أو الداعين إليه ، فلا بد أن تكون قدوة حسنة لمن تدعوهم إليه ، وإلا ما استمع إليك أحد ، ولو كنت أكثر الناس اطلاعًا وعلمًا في دين الله ، ولن ينظر إليك أحد نظرة احترام جديرة بك ، إلا إذا كان سلوكك وفقًا لقواعد الدين .
(1) - البقرة44
(2) - الصف2-3
(3) أخرجه البيهقي في كتاب الزهد