وكذلك أدب إبراهيم مع ربه لما قال: { الذي خلقني فهو يهدين ، والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين } [الشعراء:79 ] ..، ما قال والذي يمرضني ويشفين، وإنما قال { وإذا مرضتُ } فنسب المرض إليه ، ونسب الهداية والطعام والسِّقا والشفاء إلى الله رب العالمين، مع أن الله هو الذي يمرض ولا شك ، وهو الذي يشفي ، لكن لم يرد أن ينسب المرض إليه عزوجل ، أدبًا مع الله سبحانه وتعالى ، وهذا من كمال أدب الخليل عليه السلام.
وكذلك الخضر عليه السلام - على الراجح لأنه كان نبيًا - إذ يقول: { وما فعلته عن أمري } [الكهف:82 ] أي كان يفعل ذلك بالوحي من الله عزّ وجلّ، فإنه لماذكر السفينة قال: { فأردت أن أعيبها } [الكهف:79 ] ولما ذكر الجدار قال: { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما } [ الكهف:82 ] ولم يقل فأرادربك أن أعيبها، وإنما قال فأرد تُ أن أعيبها ،فإن من كمال أدبه أنه لمّا صارت المسألة عيبًا نسبه لنفسه ولم ينسبه لله عزّ و جلّ مع أن كل ذلك بأمر الله وحكمته.
وكذلك الصالحون من الجن قالوا: { وإنا لاندري أشرٌ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربٌّهم رشدًا } [الجنّ:10] ، قالوا:"أشرًا أريد بمن في الأرض"ما قالوا:"أشر أراده ربهم بهم، أم أرادبهم ربهم رشدًا".. فجعلوا الفعل مبنيًا للمجهول تأد بًّا مع الله عزّ و جلّ.
وكذلك موسى عليه السلام لما نزل مدين قال: { ربِّ إني لما أنزلت إلي من خير فقير } [القصص:24 ] والمعنى أنا فقيرإلى خيرك يارب ومحتاج إلى فضلك ولم يقل: أطعمني .. مثلًا .
وآدم عليه السلام لمّا أٌهبط من الجنة إلى الأرض قال: { ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } [الأعراف:23] ولم يقل: ربِّ قدرت علي هذه المعصية وقضيت علي بها .. ونحو ذلك ، بل نسب الظلم إلى نفسه:"ظلمتُ نفسي فاغفرلي".