في اللحظة الثالثة تبدأ فعليًا دروس فوكو يوصفه قارئًا لديكارت وفيها يبحث فوكو عن الصورة الديكارتية عند هيغل ثم عند نيتشه ثم عند هوسيرول وأخيرًا يرسم صورة ديكارت كما رآها هايدغر ، وذلك من خلال قضايا مجتزأة أو أحكام حول بعض النصوص والمسائل أصدرتها القراءات السالفة . فهيغل يعدّ ديكارت واضعًا لأسس فلسفة الحداثة حيث انتقلت الفلسفة بوساطته من سؤال معرفة إلى سؤال المعرفة ، ثم الانتقال من قيود الموضوعي إلى التحرر الذاتي في إطار تأصيل الكوجيتو » أنا أفكر « وأخيرًا تسييد الإنسان على الطبيعة من موقع الأخلاق .
في حين يرى نيتشه أن مشروع المعرفة الديكارتي صارم حيث يلزم الفكر العامي بتأهيل رياضي كما أن تعميم الذاتية بحيث تعطي أحكامًا موضوعية ، يتضمن أكذوبة لا يحتملها الواقع .
ثم وافق فهم فوكو لأحكام نيتشه على ديكارت يرى أنه يهمش العالم حين يتبعه بذات الإنسان ويراه يتقدم بلا تعرجات ، ويكون بذلك - أي ديكارت - مجرد صدى لفكر سابق عليه ، يتحدد بالنسق السقراطي أو الأفلاطوني .
وبعد أن قدّم المؤلف عرض فوكو بعض الآراء حول فكر ديكارت محاولًا تبيين موقعه من الفكر الحديث ، ينتقل الى تحليل فوكو للفكر الديكارتي بدءًا بالقواعد وانتهاءًا بالتأملات .
وهنا يظهر أن المشروع الديكارتي وفق فكرة » المعرفة الكونية « لا يعود الى مشروع » العلم المغلق « حول ذاته لكنه يمس الأخلاق أكثر منه المعرفي وبذلك يمر ديكارت من المعرفة الى المنهج الذي يمكّن منها. لكل ذلك كانت القواعد وكان خطاب المنهج ثم جاءت التأملات .