فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 481

فالعبد يؤمل أنه يعيش خمسين سنة أو ستين سنة ولعله ما بقي من عمره إلا سنة أو أقل من سنة، قال العلماء: السبب في طول الأمل أمران: الأمر الأول: حب الدنيا، والأمر الثاني: الجهل.

أما حب الدنيا فإنه من حبه للدنيا يقدر أنه يعيش فيها مدة طويلة؛ فإنه يجهز ما يحتاجه في هذه المدة الطويلة من أموال ويحاول أن يصل إلى جاه أو إلى سلطان أو إلى شهرة، فهو يقدر أنه يعيش طويلًا في الدنيا؛ لأنه يكره الموت، فيعمل ما يوافق هواه، ويظن أنه يعيش مدة مديدة في الدنيا.

أما الجهل فإنه يجعله على شبابه ويظن أن الموت لا يأتيه وهو في سن الشباب، ولو عد الأشياخ في ناحيته أو في قريته لوجد أنهم يعدون على أصابع اليد الواحدة، وهذا يدل على أنه إلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وشاب، وأن أكثر الناس يموتون في فترة الصبا والشباب، وقليل منهم من يصل إلى أرذل العمر.

أما علاج حب الدنيا فأن يعلق العبد قلبه بالآخرة، وأن يتذكر الآخرة، وأن يسعى للآخرة سعيها، فإن حب الخطير هو الذي يمحو عن القلب حب الحقير، فلا يمكن أن يزهد في الدنيا وأن يقدر قرب خروجه من الدنيا إلا وهو يوقن بالآخرة ويؤمن بالآخرة.

أما الجهل فينبغي للعبد أن ينظر إلى جوارحه وأن ينظر إلى لحمه وشحمه ويعلم أنه ما من شيء من ذلك إلا وهو طعمة للدود، وما من شيء من عظامه إلا سيبلى إلا عجب الذنب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (منه يركب ابن آدم) .

فينظر إلى عينيه اللتين ينظر بهما إلى ما يحل وما يحرم، ويعلم أنهما طعمة للدود، وأن عظامه سوف تتناثر في قبره، وأن مفاصله سوف تنفك أربطتها، لا نتحدث عن غيب، وإنما نتحدث عن شهادة.

والعبد ألف دائمًا أنه يشيع الجنائز، وأنه يسير بجوار الخشبة، وما ألف أنه المحمول على الخشبة، فعلاجه أن يستحضر أنه لابد أن يكون له مثل هذا المشهد، ولابد يومًا أن يكون محمولًا على الخشبة.

كل ابن آدم وإن طالت سلامته يومًا على آلة حدباء محمول فيقيس نفسه بغيره، وأن كل إنسان له أجل محدود، قال عز وجل: {لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34] ، وينبغي عليه أن يستعد لنزول الموت قال الحسن البصري: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فيها فرحًا.

وما ألزم عبد قلبه ذكر الموت إلا صغرت في عينه الدنيا وهان عليه كل ما فيها.

ونظر ابن مطيع إلى داره فأعجبه حسنها ثم بكى وقال: والله! لولا الموت لكنت بك مسرورًا، ولولا ما نصير إليه من ضيق القبور لقرت بالدنيا أعيننا.

وقال عمر بن عبد العزيز: ألا ترون أنكم تشيعون في كل يوم غاديًا رائحًا إلى الله تعالى قد قضى نحبه وانقطع أمله، فتضعونه في بطن صدع من الأرض غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب وفارق الأحباب وواجه الحساب؟ فينبغي للعبد أن يكثر من ذكر الموت، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من ذكر هادم اللذات) أي: نغصوا بذكر الموت لذات الدنيا وشهوات النفوس؛ حتى ينقطع ركونكم إلى هذه الدنيا الفانية الزائفة الزائلة، وحتى تسعون للآخرة سعيها.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت