سبيلًا؛ لقول الله سبحانه في تأكيد ذلك بوصف الحولين بالكمال، فقال: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [سورة البقرة: 233] ؛ لأن العربي قد يقول: أقمت عند فلان حولين، وهو يريد حولًا وبعض حول آخر (1) ، كقوله تعالى لمن لم يجد الهدي من الآفاقيين: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [سورة البقرة: 196] (2) ، وما جاء الأمر فيه بصيغة الإخبار كان معنى الإيجاب فيه ظاهر، والحتمية فيه أقوى.
ونوقش بما يأتي: أ- إن مراعاة سياق الآية قبيلًا وبُعيدًا يقتضي كون المقصود من الوالدات هنا: النساء اللواتي بِنَّ من أزواجهن ولهن أولاد قد ولدنهم من أزواجهن قبل بينونتهن منهم بطلاق أو ولدنهم منهم بعد فراقهم إياهن من وطء كان منهم لهن قبل البينونة.
ومقصود الآية أنهن أحق برضاعهم من غيرهن، وليس ذلك بإيجاب من الله تعالى ذكره عليهن رضاعهم، إذا كان للمولود والد حي وموسر؛ لأن الله تعالى ذكره قال في سورة النساء القصرى: {وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [سورة الطلاق: 6] ، فأخبر أن الوالدة والمولود له إن تعاسرا في الأجرة التي ترضع بها المرأة ولدها؛ أن أخرى سواها ترضعه، فلم يوجب عليها فرضًا رضاع ولدها، فكان معلومًا بذلك أن قوله: {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ} [سورة البقرة: 233] دلالة على مبلغ غاية الرضاع التي متى اختلف الولدان في رضاع المولود بعدها، جعل حدًّا يفصل به بينهما، لا دلالة على أن فرضًا على الوالدات رضاع أولادهن. (3)
وأجيب عنه: بأن هذا خبر يراد به أمر، وهو عام في كل والدة، ولا يصح من أصحاب الشافعي حمله على المطلقات؛ لأن الله جعل لهن رزقهن وكسوتهن، وهم لا يجيزون جعل ذلك أجر الرضاع ولا غيره (4) ، والدليل على كون الآية تخاطب المتزوجات أن المطلقة لا تستحق الكسوة إذا لم تكن رجعية، وقد قال الله تعالى بعد فرض الرضاعة عليهن: {وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ} [سورة البقرة: 233] (5) ، إلى جانب كون الأصل في الألفاظ العموم.
وبأن الله لما ذكر النكاح والطلاق ناسب أن يذكر ما قد يثمر عن ذلك من الولد (6) ، ليذكر بعد ذلك أحكام المهر والمتعة والعدة وميقات الخطبة بعد ذلك.
ويمكن أن يجاب عنه أيضًا: بعدم التسليم؛ لأن الأصل في الواو الاستئناف كما في بداية الآية، ومفهومكم المستند إلى الدلالة السياقية تأويل بلا تدليل، وصرف للفظ عن ظاهره بغير موجب.
وبأنه لو سلم بأن الوالدات هنا هن البائنات؛ فإن الله ذكر في مقابلهن أزواجهن، وقرر ما عليهم من الأرزاق والكسوة، فقال: {وَعَلَى المَوْلُوْدِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوْفِ} [سورة البقرة: 233] ؛ فهل ذلك على المولود له على سبيل الوجوب؟ إن قلتم: نعم؛ خصمتم ولزمكم التسوية بين المعطوفين، وإن قلتم: لا؛ أعوزكم الدليل الصارف لأمر الله تعالى عن مقتضاه، ولا دليل.
ب - إن الرضاعة كانت فرضًا، ثم خفف الله الحكم بقوله: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [سورة البقرة: 233] ؛ فجعل الخيار في ذلك إلى الآباء والأمهات في الفطام قبل الحولين؛ إذا أرادوا الإتمام أكملوا حولين، وإن أرادوا قبل ذلك فطم المولود كان ذلك إليهم على النظر منهم للمولود (7) ، ولذلك قال بعد ذلك: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [سورة البقرة: 233] .
وأجيب عنه: بأن المقصود فيمن لا يريد إتمام الرضاعة: أن يستغني المولود عن لبن أمه بغيره من الأقوات دون تمام الحولين، فلا يشبعه الحليب حالتئذ، وخصوصًا إذا ولد لأكثر من ستة أشهر، ويكون ذلك عن تراض ومشورة، كما قال الله: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} [سورة البقرة: 233] ، وذلك عند عدم الإضرار بالمولود؛ لقول الله تعالى: {لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلِدِهَا وَلَا مَوْلُوْدٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} [سورة البقرة: 233] ، مع رضى الوالدين معًا؛ فأما إن أراد الفصال أحد الأبوين دون الآخر، أو كان في الفصال ضرر على الرضيع؛ من مرض، أو ضعف بنية، أو كونه لا يقبل الطعام؛ وجب إتمام الرضاعة (8) ، فتلخص من
(1) ينظر: القرطبي: المصدر السابق، (3/ 161) .
(2) ينظر: الزمخشري: المصدر السابق، (ص 135) .
(3) ينظر: مقاتل بن سليمان: تفسير مقاتل (1/ 123) . ابن جرير: المصدر السابق، (4/ 199، 206) .
(4) ينظر: ابن قدامة: المصدر السابق، (11/ 429) .
(5) ينظر: القرطبي: المصدر السابق، (3/ 160) .
(6) ينظر: القرطبي: المصدر السابق، (3/ 160) .
(7) ينظر: ابن جرير: المصدر السابق، (4/ 205 - 206) . القرطبي: المصدر السابق، (3/ 172) .
(8) ينظر: ابن حزم: المصدر السابق، (10/ 435) . السمين الحلبي: الدر المصون (2/ 462) .