المبحث الأول
كون السنة وحيًا من الله تعالى
السنة وحي أوحاه الله تعالى إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتنزل بها الأمين جبريل - عليه السلام - كما تنزل بالقرآن الكريم، غير أنه تنزل بالقرآن الكريم بلفظه ومعناه من الله تعالى، وأما السنة فتنزل بمعناها، وأما لفظها فمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد دل على هذا قوله تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) } [النجم:3 - 4] .
قال الحافظ إسماعيل بن كثير الدمشقي في تفسيره في معنى هذه الآية: «أي: ما يقول قولًا عن هوى وغرض، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:4] ، أي: إنما يقول ما أمر به يبلغه إلى الناس كاملًا موفورًا من غير زيادة ولا نقصان» (1) ، ثم أورد بعض الأحاديث التي تدل على أن ما يقوله أو يفعله حق، وليس عن هوى أو غرض (2) .
وقال الإمام محمد بن أحمد القرطبي في تفسيره: «وفيها أيضًا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل» (3) .
وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني: «أي: ما يصدر نطقه عن الهوى، لا بالقرآن ولا بغيره، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم:4] ، أي: ما هو الذي ينطق به إلا وحي من الله يوحيه إليه» (4) .
فهذه أقوال بعض أئمة التفسير تدل على: أن السنة من الوحي المنزل.
وجزم بذلك بعض أئمة التابعين، وهو حسان بن عطية المحاربي الدمشقي، فقال: «كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالسُّنَّةِ كَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، يُعَلِّمُهُ إِيَّاهَا كَمَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ» (5) .
(1) تفسير القرآن العظيم لإسماعيل بن كثير الدمشقي"المشهور بـ: تفسير ابن كثير" (7/ 443) .
(2) نفس المصدر السابق.
(3) الجامع لأحكام القرآن لمحمد بن أحمد القرطبي"المشهور بـ: تفسير القرطبي" (17/ 85) .
(4) فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير لمحمد بن علي الشوكاني"المشهور"
بـ: تفسير الشوكاني" (5/ 126) ."
(5) سنن الدارمي، المقدمة، باب السنة قاضية على كتاب الله (1/ 474) ، رقم (608) ، والسنة لمحمد بن نصر المروزي (ص:33) ، رقم (102) ، والإبانة الكبرى لابن بطة، باب ذكر ما جاءت به السنة من طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتحذير من طوائف يعارضون سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن (1/ 255) ، رقم (90) ، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للآلكائي، سياق ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحث على التمسك بالكتاب والسنة وعن الصحابة والتابعين ومن بعدهم والخالفين لهم من علماء الأمة - رضي الله عنهم - أجمعين (1/ 93) ، رقم (99) ، والمدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي، باب حجة من ذهب إلى أنه لم يسن إلا بأمر الله (1/ 83) ، رقم (162) ، والكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي، باب ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله تعالى وحكم سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجوب العمل ولزوم التكليف (ص:12) . وقال ابن حجر عن سنده: «صحيح» . فتح الباري لابن حجر (13/ 291) . وقال الألباني: «رواه الدارمي بسند صحيح عن حسان بن عطية، فهو مرسل» . تحقيق كتاب الإيمان لابن تيمية للألباني (ص:37) .
وفي رواية: «كَانَ الْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَيُخْبِرُهُ جِبْرِيلُ - عليه السلام - بِالسُّنَّةِ الَّتِي تُفَسِّرُ ذَلِكَ» . جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر معلقًا -عن الأوزاعي عن حسان بن عطية-، باب موضع السنة من الكتاب وبيانها له (2/ 1193) ، رقم (2350) .