فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 317

اتهام المحدثين بمخالفة القرآن

في إثباتهم لحد الردة

يقول المشكك:

«يقول تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] .

فيخترعوا لنا: حد الردة».

وقال أيضًا: «والله لم يرتب عقوبة على المرتدين، وقد ارتد على عهد رسول الله كثيرون فلم يقتلهم.

وقال أيضًا: «ويقول جل في علاه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90) } [آل عمران:90] . فهاهم يكفرون دون أن تمتد إليهم يد القتل المسماة بـ"حد الردة"» .

والجواب:

أولًا: استدلال هذا المشكك بهذه الآيات وغيرها على إنكار حد الردة وعدم تشريعه لكونه لم يذكر في القرآن الكريم استدلال سقيم وعقيم وغير صحيح؛ للآتي:

1 -هذه الآيات لم تنف حد الردة أبدًا، ولم تتعرض له لا من قريب ولا من بعيد؛ لأنها جميعها تتحدث عن العقوبة الأخروية للمرتد دون العقوبة الدنيوية له.

2 -قوله تعالى: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] ليس فيه إباحة للردة، ولا ترك الحرية لمن شاء في اختيار الكفر، بل هو لفظ سيق مساق التهديد والوعيد الشديد؛ بدليل ما بعده، وهو قوله: {إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف:29] ، أي: إنا أعتدنا للكافرين والمشركين والمرتدين نارًا عظيمة تحيط بهم من كل الجهات (1) .

ولو كان في قوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} ترك الحرية لهم في اختيار الكفر لكان وعيده سبحانه الشديد لهم بالنار المحدقة بهم من باب التناقض منه، وحاشاه - جل وعلا -! إذ كيف يسمح لهم أولًا بالكفر ثم يعذبهم عليه؟ هذا تناقض، وكلامه سبحانه منزه عن التناقض والتضاد.

(1) قال ابن كثير: « {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف:29] هذا من باب التهديد والوعيد الشديد؛ ولهذا قال: {إِنَّا أَعْتَدْنَا} أي: أرصدنا {لِلظَّالِمِينَ} وهم الكافرون بالله ورسوله وكتابه {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} ، أي: سورها» . تفسير ابن كثير (5/ 154) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت