اتهام المحدثين بمخالفة القرآن
في قولهم بالتضييق على من لم يقاتلنا
يقول المشكك:
«يقول الله: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8) } [الممتحنة:8] .
فيقولوا: بل نضطرهم إلى أضيق الطريق، ونفرض عليهم الجزية، ولا نبدؤهم بالسلام، ولا نعود مرضاهم، ولا يتم تهنئتهم بأعيادهم.
فهل تلك التعاليم المحمومة والفقه المعتوه من البر الذي أمرنا به القرآن»؟
والجواب:
أولًا: هذه الآية وما فيها من جواز البر والإحسان والعدل إلى أهل الكتاب -اليهود والنصارى- هي في غير المقاتلين والمحاربين منهم، قولًا واحدًا؛ لأن المحارب -وهو: الذي بينه وبين المسلمين جميعًا أو بعضهم قتال، أو أعلن عليهم الحرب مباشرة أو بغير مباشرة بالتأييد والنصرة أو بالسلاح ولو كان يعيش بين ظهراني المسلمين- لا يجوز البر والقسط إليه إلا في الحالات الإنسانية التي تقتضيها أخلاق الحرب في الإسلام.
ثانيًا: ثبت عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ) (1) .
وفي رواية: (أَهْلِ الْكِتَابِ) (2) .
والكلام على هذا الحديث في عدة نقاط:
1 -قوله - صلى الله عليه وسلم: (الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى) أو (أَهْلِ الْكِتَابِ) هذا لفظ عام يشمل المحاربين وغيرهم، فيحمل الحديث على أن المراد بذلك: هم المحاربون؛ تغليبًا. وهؤلاء لا بر معهم ولا كرامة.
2 -إذا سلمنا أن المراد بهم اليهود والنصارى جميعًا المحاربين منهم وغير المحاربين فمن السنة ألا نبدأهم بالسلام؛ وذلك للآتي:
(1) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يرد عليهم (4/ 1707) ، رقم (2167) .
(2) نفس المصدر السابق والكتاب والباب والجزء والصفحة.