ثانيًا: وقع الخلاف بين أهل السُّنَّة في الصغائر التي لا تُزري بمنصب الأنبياء - عليهم السلام - وليست من الدناءات هل تقع منهم أو لا؟
ومنشأ الخلاف هو: ما حكاه الله تعالى عن بعض الأنبياء - عليهم السلام - مما ظاهره لنا أنه معصية، ومن ذلك:
1 -قوله تعالى عن أبينا آدم - عليه السلام: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) } [طه:121] .
2 -قوله تعالى عن يونس - عليه السلام: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) } [الأنبياء:87] .
3 -قوله تعالى عن إبراهيم - عليه السلام: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} [الأنبياء:63] .
وقوله تعالى عنه - عليه السلام: {إِنِّي سَقِيمٌ (89) } [الصافات:89] .
ومن ذهب إلى وقوع هذه الصغائر منهم - عليهم السلام - كابن جرير الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين (1) - قالوا: «لا بدَّ من تنبيههم عليه، إما في الحال على رأي جمهور المتكلمين أو قبل وفاتهم على رأي بعضهم» (2) .
وكذلك نقل ابن تيمية: أن عامة الجمهور الذين يجوزون عليهم هذه الصغائر يقولون: «إنهم معصومون من الإقرار عليها» (3) .
والحق: أنهم - عليهم السلام - معصومون عن الصغائر والكبائر جميعًا. وهو ما رجحه القاضي عياض (4) وأبو إسحاق الإسفراييني وابن فورك وابن حزم، وحكاه النووي عن المحققين (5) . قال القاضي حسين: «وهو الصحيح من مذهب أصحابنا -يعني: الشافعية-، وما ورد من ذلك فيحمل على ترك الأولى» (6) .
وقال القاضي عياض: «لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تُزرى بفاعلها وتحطُّ منزلته وتسقط مروءته. واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم:
فذهب معظم الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من السلف والخلف إلى: جواز وقوعها منهم. وحجتهم: ظواهر القرآن والأخبار.
(1) الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض (2/ 328) .
(2) إرشاد الفحول للشوكاني (1/ 99) .
(3) قال ابن تيمية: «هم متفقون -يعني: أهل السنة- على أنهم -أي: الأنبياء - عليهم السلام - لا يقرون على خطأ في الدين أصلًا، ولا على فسوق ولا كذب. ففي الجملة: كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله فهم متفقون على تنزيههم عنه. وعامة الجمهور الذين يجوزون عليهم الصغائر يقولون: إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرهم» . منهاج السنة النبوية لابن تيمية (1/ 472) .
(4) انظر كلامه في هذه المسألة في كتابه: الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 328 - 334) .
(5) قال الإمام النووي: «واختلفوا في الصغائر -أي: في عصمة الأنبياء - عليهم السلام - منها-، فجوزها الأكثرون، ومنعها المحققون وقطعوا بالعصمة منها» . روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي (10/ 205) .
(6) إرشاد الفحول للشوكاني (1/ 99 - 100) .