فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 317

ومما تقدم يتضح لنا: أن البول قائمًا ليس عملًا منكرًا ولا مستهجنًا، ولا مخالفًا للآداب والأخلاق النبيلة، بل هو أمر مألوف للعرب في جاهليتهم وإسلامهم.

ثالثًا: لما كان غالب أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - البول قاعدًا (1) مع إضافة حديث عائشة - رضي الله عنها - السابق: (مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا) (2) إلى ذلك فقد حاول بعض الأئمة الأعلام تفسير بوله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا، والأسباب التي دعته - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك، فذكروا أمورًا معقولة لا تنافي توقيره ومحبته وعصمته - صلى الله عليه وسلم -، وليست مختلقة، كما يدَّعي صاحب الرسالة، وهي كذلك متوافقة مع بشريته - عليه الصلاة والسلام -، ومما ذكروه في ذلك:

1 -ما روي عن الإمامين الشافعي وأحمد: أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا. فلعله - صلى الله عليه وسلم - كان به هذا الوجع.

2 -أنه كان به - صلى الله عليه وسلم - علة في مأبضه -أي: باطن ركبته-، فلم يتمكن - صلى الله عليه وسلم - لأجله من القعود. ورُوي في ذلك حديث لم يصح (3) .

3 -ما ذكره الحافظ ابن حبان:"من أنه لم يجد مكانًا يصلح للقعود، فقام؛ لكون الطرف الذي يليه من السباطة كان عاليًا، فأمن أن يرتد إليه شيء من بوله" (4) .

4 -أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما بال قائمًا لأن السباطة رخوة يتخللها البول، فلا يرتد إلى البائل منه شيء.

5 -ومنها -وهو الأظهر والأصح-: أنه - صلى الله عليه وسلم - بال قائمًا لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله - صلى الله عليه وسلم - البول عن قعود (5) .

رابعًا: بقي أن أقول: إن تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حدٍّ يخرجه عن بشريته هو من الغلوّ المحرَّم والإطراء

(1) قال الخطابي: «والثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمعتاد من فعله البول قاعدًا» . أعلام الحديث"شرح صحيح البخاري"للخطابي (1/ 280) .

(2) سنن ابن ماجة وسنن الترمذي وسنن النسائي، وصححه الألباني. وقد تقدم.

(3) وهو: عن أبي هريرة - رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَالَ قَائِمًا مِنْ جُرْحٍ كَانَ بِمَأْبِضِهِ) . المستدرك للحاكم، كتاب الطهارة (1/ 290) ، رقم (645) ، والسنن الكبرى للبيهقي، كتاب الطهارة، أبواب الاستطابة، باب البول قائمًا (1/ 164) ، رقم (489) . وقال الألباني: «ضعيف» . إرواء الغليل للألباني (1/ 96) ، رقم (58) .

(4) قال ابن حبان: «عدم السبب في هذا الفعل هو: عدم الإمكان، وذاك: أن المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أتى السباطة -وهي المزبلة-، فأراد أن يبول فلم يتهيأ له الإمكان؛ لأن المرء إذا قعد يبول على شيء مرتفع عنه ربما تفشى البول فرجع إليه، فمن أجل عدم إمكانه من القعود لحاجة بال - صلى الله عليه وسلم - قائمًا» . صحيح ابن حبان (4/ 274) .

وقال الخطابي: «السبب في بوله قائمًا: أنه قد أعجله البول ولم يجد للقعود موضعًا؛ إذ كان ما يليه من طرف السباطة مرتفعا عاليًا» . أعلام الحديث"شرح صحيح البخاري"للخطابي (1/ 278) .

(5) شرح صحيح مسلم للنووي (2/ 165 - 166) ، وفتح الباري لابن حجر (1/ 330) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت